الشرخ الغربي: ترمب بين الحرب على إيران والصراع الداخلي الأمريكي
الشرخ الغربي: ترمب بين الحرب على إيران والصراع الداخلي

الشرخ الغربي: ترمب بين الحرب على إيران والصراع الداخلي الأمريكي

في خضم الحرب على إيران، وفي موازاة مداخلات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الإعلامية المطولة حول مسارات هذه الحرب ومآلاتها، يجد ترمب نفسه مضطراً إلى الخوض المطول أيضاً في الصراع الأميركي الداخلي، بين مؤيدي الحرب ومعارضيها. فترمب يخوض حربه على الجبهتين، الخارجية والداخلية، بالشدة الإعلامية نفسها، وهو وضع لا يشبه ما قد يواجهه رؤساء القوى العالمية الكبرى الأخرى مثل الصين وروسيا والهند، لو وجدوا أنفسهم في الوضع عينه.

السلطة المطلقة مقابل التحديات الداخلية

في الدول ذات السلطات شبه المطلقة والمستمرة لآجال طويلة، يركز القادة جل اهتمامهم على الخطر الخارجي، بينما تبقى أعينهم، ولو من بعيد، على الأوضاع الداخلية التي جرى ضبطها بمختلف الوسائل وتأمّنت السيطرة عليها منذ زمن. أما الرئيس الأمريكي، فشأنه آخر. هو مثله مثل سائر القيادات في الديمقراطيات الغربية، يتحتّم عليه مواجهة التحدي الخارجي الكبير ومهل الداخل الزمنية وتجاذباته السياسية والاقتصادية والإيديولوجية والإعلامية، في آنٍ معاً.

فترمب يتحتم عليه، سواء في الحرب أو السلم، التعامل مع أمرين لا مفر منهما: السباق مع مدة الولاية الرئاسية المحددة بأربع سنوات، ومع الشرخ الأميركي الشعبي الذي يزداد عمقاً بين المنحى الجمهوري القومي المتشدّد والمنحى الديمقراطي الليبرالي والأممي. هذا الصراع ليس على السلطة فحسب، بل أيضاً وخصوصاً على ما هو أهم منها بكثير، إنه صراع لا هوادة فيه على الهوية وعلى طبيعة النظرة إلى الذات وإلى العالم، بات يتعذّر حله.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

الانقسام المجتمعي العميق

من جهة، ثمة تمسّك بالهوية القومية «الأصلية»، إذا جاز التعبير، وبمحاربة الهجرة غير الشرعية بكل الوسائل، والدفاع عن كيان العائلة التقليدية وقيمها كركيزة المجتمع الأمتن، وتكريس الولايات المتحدة، بجيشها وتكنولوجياتها واقتصادها وسياساتها، في كونها القوة العظمى في العالم. ومن الجهة الأخرى، سعي إلى هوية أميركية تعدّدية إنسانية مركّبة، مع انفتاح على المهاجرين من كل الأصقاع، وترك المجال واسعاً أمام الخيارات الذاتية الوجودية، وصولاً إلى تشريع زواج المثليين وإتاحة حرية التحوّل الجنسي، ووصولاً مع التيار «الووكي» إلى رفض رموز «الإنسان الأبيض» وتماثيله وقيمه.

وهذا الشرخ المجتمعي العميق نفسه تعاني منه أيضاً مجتمعات أوروبا الغربية، حيث ما زال التيار الليبرالي الأممي هو الأقوى، مع صعود متزايد للتيار القومي المتشدّد. فالتمايز بين أميركا ترمب والحليف الأوروبي، الذي كشفت عنه حرب أوكرانيا، ثم عمّقته حرب الشرق الأوسط، ليس خلافاً على المصالح الاستراتيجية الخارجية بين طرفي الأطلسي فحسب، بل هو أيضاً خلاف على الخيارات المجتمعية الداخلية الكبرى.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

انعكاسات الشرخ الغربي على الشرق الأوسط

والخطير في الشرخ الغربي أنه ينعكس بشدة على مقدّرات العالم. وإذا أخذنا الشرق الأوسط مثالاً، تطالعنا الانعكاسات العميقة لتضارب سياسات الجمهوريين، الذين رائدهم الأمثل دونالد ترمب، وسياسات الديمقراطيين الذين رمزهم الأهم باراك أوباما. ومجريات الحرب الراهنة لا يمكن فصلها قط عن هذا التضارب، خصوصاً في العقدين الأخيرين من الزمن.

من الواضح تماماً أن نقطة التوافق الأساسية بين الجمهوريين والديمقراطيين في منطقة الشرق الأوسط هي أولوية التحالف مع إسرائيل. لكن عدا ذلك، تبرز بينهم تباينات أساسية، خطيرة النتائج. فمن المؤكّد أن أميركا أوباما، طوال عهديه الممتدّين من سنة 2009 إلى سنة 2017، سارت في الشرق الأوسط في منحيين استراتيجيين مصيريين.

  • المنحى الأول: مهادنتها الثورة الخمينية الإيرانية وغضّ النظر عن طموحاتها العسكرية والنووية وتكوين أذرعها لتتحوّل قوةً إقليمية كبرى؛ ما أدّى إلى إثارة التناقضات المذهبية وإضعاف العالم العربي.
  • المنحى الآخر: دعم حركة «الإخوان المسلمين»، خصوصاً خلال تسلّمها مقاليد الحكم في مصر. لقد هبّت في حينه الولايات المتحدة ومعها أوروبا لمواجهة تحرك الجيش المصري بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي لإنهاء حكم «الإخوان». كان الرفض الغربي الشديد يستند إلى أن «الإخوان» وصلوا إلى الحكم عن طريق الانتخابات. هذا صحيح تماماً، لكن الصحيح أيضاً أن أميركا أوباما تعرف تماماً أن «الإخوان»، إن استلموا الحكم فلن يتخلوا عنه بعد ذلك أبداً، وإن فكرة التناوب الغربي على الحكم لا مكان لها قط في قاموسهم.

وفي ظلّ الشرخ الغربي، جاءت أميركا ترمب في عهده الأول، ثم في عهده الثاني الحالي، لتتخذ في الشرق الأوسط خصوصاً حول المسألة الإيرانية، خيارات صدامية جذرية، وصولاً إلى الحرب الراهنة، بما تنطوي عليه من نتائج مصيرية لا سابق لها منذ نصف قرن. هذا الشرخ لا يزال يشكل تحدياً كبيراً للسياسة الأمريكية والعالمية، مع تداعيات قد تطال مستقبل الاستقرار الإقليمي والدولي.