حرب البقاء: المشهد الدولي على حافة الهاوية
تتحول الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران إلى صراع وجودي أوسع، يضع القارة الأوروبية في موقف بالغ الحساسية بين عجز المواجهة وكلفة الانخراط. في مشهد عالمي مضطرب، تتشابك حسابات الهيمنة والتوسع، بينما يحبس العالم أنفاسه عالقًا بين فكي كماشة مصيرية.
أوروبا في مفترق الطرق: بين الولاء والاستقلال
على عكس حرب العراق عام 2003 التي شهدت مشاركة 48 دولة بقيادة أميركية، تحاول أوروبا اليوم النأي بنفسها عن الحرب الوحشية الدائرة في الشرق الأوسط. حلف الناتو نفسه، الذي يشكل الأوروبيون أغلبية أعضائه، يقف متفرجًا على ما تؤول إليه الأوضاع، بينما تُصرّح فرنسا وألمانيا بشكل متكرر أن "هذه الحرب ليست حربنا".
تقع أوروبا في مأزق سياسي واقتصادي كبير، فهي تحاول تسليك طريق مغاير ووضع علامات فاصلة عند مفترق الطرق مع الولايات المتحدة. بعد مؤتمري ميونخ الأمنيين المتتاليين، رفعت أميركا قضية "الطلاق" عن أوروبا، ماضية نحو تحقيق شعار "أميركا أولًا" الذي تبناه مسؤولوها.
الانعكاسات الإقليمية والدولية: تداعيات متشعبة
في الأزمة الأوكرانية، التي لعبت فيها الإدارة الأميركية دورًا مفصليًا، تتنصل اليوم واشنطن من تبعاتها، بل لم تعد تعتبر روسيا عدوًا كما ورد في الاستراتيجيات الأميركية الرسمية. بالمقابل، تحاول أوروبا حماية مصالحها عبر:
- التوجه إلى الصين لعقد اتفاقات اقتصادية
- الامتناع عن المشاركة في مجلس السلام العالمي في غزة
- عدم الانجرار إلى الدفاع عن مضيق هرمز رغم أهميته لمصادر الطاقة
تحاول الإدارة الأميركية فرض الإذعان على أوروبا عبر خنق مصادر الطاقة عنها، بينما يجد الاتحاد الأوروبي نفسه في مأزق سياسي كبير، غير قادر على:
- الوقوف بحزم في مواجهة الحرب الأوكرانية
- تجاوز الأزمة الاقتصادية العالمية
- مواجهة تراجع القدرة الشرائية لمجتمعاته
إيران: معركة وجودية بمرجعيات متعددة
ليس أمام النظام السياسي في إيران، بالمعنى العقائدي والسياسي، إلا الصمود وعدم تقديم أي تنازلات أمام الولايات المتحدة. نظام الجمهورية الإسلامية أدخل مقولة "الفدائي" في خطابه السياسي، معتمدًا على العزف على الوتر القومي لتعبئة الداخل الإيراني بعد تراجع تأثير الخطاب الديني والمذهبي.
تشير تحليلات سياسية من أوساط غربية إلى احتمال تقدم إيران نحو غزو بري لعدد من دول الخليج، مما يضع العالم على شفا حرب لا تُحمد عقباها. لذلك، لا توجد فسحة للتفاؤل من المفاوضات الجارية بين الجانبين في باكستان.
الولايات المتحدة: حرب مصيرية لهيمنة مستمرة
تُعد هذه الحرب مصيرية للولايات المتحدة، ففي حال عدم قدرتها على تحقيق انتصار سياسي على إيران، يعني ذلك تراجعًا لواشنطن إلى الخلف، وإضافة منافس جديد إلى ساحة التنافس الدولي إلى جانب الصين وروسيا، وهو أوروبا التي بدأت تعد خسائرها السياسية والاقتصادية.
الضحايا الحقيقيون: الشعوب والطبقة العاملة
في خضم هذا الصراع، تدفع جماهير المنطقة، بما فيها إيران، ثمنًا باهظًا من أمنها وسلامتها واستقرارها ومعيشتها. كما تدفع الطبقة العاملة في العالم فاتورة هذه الحرب من قدرتها الشرائية ورفاهها الاقتصادي والاجتماعي.
يعلو ضجيج الأكاذيب والخداع، وتُنشر الأوهام، وترتفع أصوات العزف على مختلف أوتار الخرافات الدينية والطائفية والقومية، لتغذية الحروب والصراعات التي تدرّ الأرباح على حسابات الشركات الرأسمالية، على حساب جيوب العمال والكادحين في جميع أنحاء العالم.



