أحمد الصراف: دمتِ عزيزة.. تصونك الجوارح في زمن الاضطراب المجتمعي والخوف المتصاعد
أحمد الصراف: دمتِ عزيزة.. تصونك الجوارح في زمن الاضطراب

أحمد الصراف يكتب: دمتِ عزيزة.. تصونك الجوارح في زمن الاضطراب والخوف

يثقل صدري في هذه الأيام المقلقة حديث الحرب بقدر ما يثقله هذا الاضطراب الواسع في الوعي المجتمعي؛ هذا الفيض الهائل من الخوف، خاصة حين يخرج عن حدوده الطبيعية فيتحول إلى قسوة لا تُطاق، وإلى نبذ صارخ، وإلى استعداد عجيب لاقصاء كل من لا يوافق رأيهم الشخصي، وكأن الفزع إذا استبد بالنفوس جردها من إنسانيتها وانصافها، وجعلها ترى الاختلاف خطراً داهماً يجب سحقه لا فهمه أو مناقشته.

لغة التجريح في وطنٍ مجروح تخالف أعراف الوطنية

فكم منّا لمس ثقل هذه الحرب في صمتها العميق؛ صمتٌ في طيّاته تأمّلٌ وتأنٍ، وحذرٌ شديد ومحاولة مستمرة لفهم تعقيدات ما يجري حولنا. غير أن هذا الصمت، على ما فيه من عمق وبصيرة، يتحوّل أحيانًا إلى عبءٍ أثقل من ضجيج الكلام العالي، حين يعجز عن رفدنا بالأدوات اللازمة لمواجهة أزمةٍ خارجية تتنامى بسرعة... وتجد صداها يتفاقم بشكل كبير في الداخل.

تتراكم الكلمات بلا نهاية، وتعلو الاصوات بشكل متزايد، لكن المعنى الحقيقي غائب تماماً. يتحدثون كثيرا، ويحللون كثيرا، ويجزمون كثيرا... لكنك تشعر بوضوح أن ما يدار ليس فهماً عميقاً، وإنما انطباعات متعجلة وسطحية، تبنى عليها مواقف حادة وقاسية، ثم يدافعون عنها بعناد يشبه العمى التام.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

مفارقة موجعة: خوف مرتفع وفهم منخفض

إنها مفارقة موجعة للغاية: خوف مرتفع إلى أقصى الحدود، وفهم منخفض بشكل مقلق. حدة شديدة في المواقف، وضحالة واضحة في التصور. ثقة صلبة تبدو غير قابلة للكسر، لكنها قائمة على أرض رخوة وهشة. وهنا يتضاعف الايلام النفسي... لأنك لا تواجه خطراً خارجياً فحسب، بل تواجه هذا الاضطراب العميق في الداخل؛ هذا العجز المؤلم عن قراءة ما وراء الاشياء، عن ادراك السياقات الكاملة، عن التمييز الدقيق بين ما يقال وما يراد حقاً، بين الظاهر السطحي والعمق الخفي، بين الخبر المجرد وتحليله الموضوعي.

مؤلم أن نرى الهلع والخوف قد تجرد من حكمته الذكية، لم يعد يدفع إلى التبصر والتفكير، بل اصبح يبحث عمن يعلق عليه قلقه المتزايد، يبسّط الأحداث المعقدة، يقيم عليها احكاماً غير قابلة للنقاش أو المراجعة، حادة وقاطعة، لا تتحمل أي شكل من أشكال المراجعة أو التعديل.

خوف يتغذى على معلومات مبتورة

هذا الخوف المتصاعد يتغذى على معلومات مبتورة من سياقها الصحيح، مبتورة من مخطط اكبر وأشمل، تُتداول الآراء وكأنها واقع مطلق، بلا عمق ولا مساءلة نقدية، فينشأ الارتباك الشديد، ويتبعه القلق المستمر. هنا المفارقة مؤلمة بشكل خاص: خوف مرتفع وفهم سطحي، حدة في الموقف وإقصاء عجيب لوجهات النظر المختلفة، عجز واضح في قراءة سياق الأحداث والعجز الكبير في التمييز بين الخبر السطحي والجوهر العميق. كل هذا يزيد من الألم النفسي ومن ثقله على النفوس.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

دعوة إلى التواضع أمام الحقيقة

علينا أن نتواضع أمام الحقيقة المجردة، لنستطيع ان نستخدم جميع أدوات الفهم والمعرفة المتاحة وندرك ان ما نستشعره ليس كل ما في الأمر. وأن ما نفهمه ليس نهاية الفهم المطلق. لكن هذا التواضع غائب بشكل ملحوظ، وحين يغيب يحل مكانه يقين قاسٍ وعنيد، لا يرى إلا نفسه ولا يسمع إلا صوته الخاص. قد تكون المشكلة الحقيقية ليست في قلة الكلام أو الحديث، ولكن في قلة المعنى والعمق فيه.

وبالرغم من هذا، وذاك، وفي خضم الأصوات العالية والمتضاربة، تبقى همسة دائمة في قلبي... كويت: يا شامخة يا أبيّة يا عزيزة يا من احببتي وأكرمتي كل أبنائك، بكل اختلافاتهم، وبكل أطيافهم، فعشقوا كل حبة من ترابك، وكل قطرة في بحرك، دمتِ عزيزة، تصونك الجوارح. (مشاعر مواطنة رغبت أن تبقى مجهولة الاسم)!

أحمد الصراف