الممانعة بالبراميل المتفجرة: تفكيك العطب البنيوي في النخب العربية
في رحلة تأملية تبدأ من دهشة الطفولة تجاه تأييد بعض النخب العربية لغزو الكويت، وصولاً إلى صدمة الكبر بتبرير سحق السوريين، يقف الكاتب اليوم مذهولاً أمام طابور جديد ينساق خلف السردية الإيرانية ضد دول الخليج. هذا المقال الثالث في سلسلة تفكيك العطب البنيوي يرصد كيف تُباع العقول في أسواق النخاسة السياسية، وكيف تستمر دورات التبرير للجرائم تحت شعارات زائفة.
من غزو الكويت إلى التراجيديا السورية: استمرار دور المبررين
بعد أن اختفى جيل المبررين لغزو الكويت، إما خجلاً أو موتاً، برز جيل جديد من المحللين والمثقفين ليقع في الفخ ذاته، وبالغباء المنقطع النظير نفسه، ولكن هذه المرة على مسرح التراجيديا السورية المروعة التي بدأت عام 2011. عندما خرج ملايين السوريين العُزل يطالبون ببديهيات الحياة السياسية مثل الكرامة والحرية والتوزيع العادل للثروة، وجد النظام نفسه في زاوية وجودية.
ولكونه خبيراً في تشريح العقل النخبوي العربي، سحب النظام السلاح السحري المضمون: أسطوانة المقاومة والممانعة المشروخة، وأكذوبة المؤامرة الكونية. فجأة، تحولت حناجر النخب لترويج خرافة أن ما يجري في سوريا ليس ثورة شعب مقهور، بل مخطط استعماري صهيوني إمبريالي لإسقاط قلعة الممانعة الأخيرة.
تبرير الجرائم تحت غطاء الممانعة: من البراميل المتفجرة إلى الأسلحة الكيميائية
عاد خونة المثقفين لارتداء بدلاتهم الأنيقة، ومارسوا دورهم التبريري المقيت؛ حيث وفروا الغطاء الفكري والأخلاقي لنظام قرر أن يفعل بشعبه ما خجلت منه أعتى جيوش الاحتلال. وباسم هذه الممانعة المجيدة، تم تبرير إلقاء البراميل المتفجرة العشوائية على الأحياء السكنية، وأصبح استخدام الأسلحة الكيميائية المحرمة دولياً تكتيكاً ثورياً، وتحولت محاصرة وتجويع المدن حتى الموت إلى ضرب من ضروب الصمود.
النتيجة كانت تشريد أكثر من 14 مليون إنسان، لا لشيء، إلا لكي يبقى الرفيق صامداً فوق تل من الجماجم. بلغ الانخداع ببعض النخب مبلغاً يجعل الكوميديا السوداء تبكي من فرط العبث، كما في حالة تأليف كتاب بعنوان القائد الأسد... صفحات مشرقة من تاريخ الصمود من قبل 28 شخصية عربية، يصفون فيه تدمير البلاد بأنه نضال فكري.
تناقضات سردية الممانعة: من السيادة الوطنية إلى التدخلات الخارجية
عند وضع هذه السردية البائسة تحت ميكروسكوب التحليل المنهجي العقلاني، تظهر تناقضات تثير الشفقة والاشمئزاز معاً:
- أولاً: كيف لنظام يزعم محاربة الإمبريالية وحماية السيادة الوطنية، أن يفتح أبواب بلاده لتدخل عسكري روسي، ويستورد عشرات الميليشيات بقيادة إيرانية، فقط لسحق شعبه؟ أي سيادة هذه التي تُصان بتأجير البلد للغرباء؟
- ثانياً: كيف تستقيم نكتة المقاومة، وجبهة الجولان المحتل تنعم بهدوء طوال عقود، بينما استُعرضت أعتى الأسلحة الإستراتيجية ودُمرت حواضر سوريا التاريخية فوق رؤوس ساكنيها؟
- ثالثاً: يمتلك النظام تعريفاً حصرياً عجيباً للمقاومة؛ فهي تعني حصراً الولاء المطلق للكرسي، مما يثبت أن فلسطين والمقاومة ليستا سوى أوراق لعب رخيصة تُستخدم للحفاظ على السلطة.
برر المثقف الممانع تدمير الحاضر والمستقبل السوري من أجل معركة وهمية لم تُخض يوماً على الجبهة الحقيقية. ولكن، كما تخبرنا سنن التاريخ، كانت نهاية الطغاة دائماً مرتبطة بأدوات قمعهم، من صدام إلى القذافي وبشار، وصولاً إلى المرشد.
يختتم المقال بالإشارة إلى أن السلسلة ستستمر في تفكيك هذه السرديات، مع تذكير بأن كل ما لا يُراد به وجه الله يضمحل، في رسالة تلفت الانتباه إلى العواقب الأخلاقية والسياسية لهذه الممارسات.



