صناعة المحلل السياسي: الفجوة المهنية بين الخبرة العربية والدولية
صناعة المحلل السياسي: الفجوة بين الخبرة العربية والدولية

صناعة التحليل السياسي: ازدهار حديث وفجوات عميقة

شهدت السنوات الأخيرة انتعاشاً ملحوظاً في ما يُعرف بصناعة أو تجارة "المحلل السياسي"، حيث أصبح هذا المجال أحد المهن الإعلامية البارزة في المشهد العربي والدولي على حد سواء. وكما هو الحال في جميع المهن، شهد هذا القطاع تفاوتاً كبيراً في مستويات النجاح والإخفاق، حيث برع الناجحون في تحقيق تميزهم، بينما أظهر الفاشلون مهاراتهم في تعميق فشلهم.

الفارق الهائل بين المحللين العرب والأجانب

يظهر الفارق واضحاً وجلياً بين المحللين السياسيين العرب ونظرائهم من الدول الأخرى، حيث لم يكن يتطلب الأمر من الزميل العربي سوى الاطلاع السريع على عناوين الصحف أو قراءة موجزة للمقالات ليصبح مؤهلاً للحصول على لقب "خبير" أو "محلل". أحد الأمثلة الصارخة على ذلك كان إصرار أحد الزملاء على تسمية نفسه "خبير الشؤون الأمريكية"، مما أثار تساؤلات حول إمكانية أن يكون فرد واحد خبيراً في شؤون إحدى كبرى دول العالم.

ثمة من تنبه إلى هذا النقص المريع في المهنية والتواضع، حيث تمت إقناع هذا "الخبير" بتغيير مهنته إلى "باحث"، ومنذ ذلك الحين امتلأت الشاشات الإعلامية بالباحثين الذين يبحثون عن مكان لهم تحت الأضواء.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

نماذج دولية: بين التحول المهني والخبرة المتراكمة

خلال الإقامة في لندن، تعرفت على وزير الدولة لشؤون الدفاع البريطاني السابق، جوناثان إيتكنز، خلال لقاء مع الصديق الراحل رمزي صنبر. كان إيتكنز شخصية مثيرة للجدل في قضايا نسائية ومالية، ولكنه أعلن عن "توبته" من خلال اعتناق المسيحية وأصبح قساً وانصرف إلى الخدمة الكنائسية.

غير أنه في الوقت نفسه انصرف إلى تأليف الكتب والكتابة في الصحف عن الأحداث الراهنة، كما كان يحل ضيفاً بارزاً على أصحاب البرامج السياسية المهمة، مما وفر له دخلاً إضافياً بعد إعلان إفلاسه.

على نحو مشابه، أصبح حفيد سلوين لويد (وزير الخارجية البريطاني السابق) محللاً سياسياً ومؤرخاً، ووضع كتاباً عن الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون ونهايته السياسية المؤسفة، وذلك بسبب تشابه النهايتين في بعض الجوانب.

الخبرة الميدانية مقابل الشهادات السريعة

مع نشوب حرب إيران التي دخلت شهرها الثاني، وجد إيتكنز فرصة أخرى في الكتابة عن مسألة يعد من خبرائها. ومن المغري للمرء أن يقارن بين ما يعدّه الأجانب (أو الإنجليز) خبرة، وبين خبرة بعض العرب.

لقد أمضى الرجل 60 عاماً في العمل الخليجي، وسافر إلى بلدان الخليج العربي 265 مرة، ومن مؤلفاته كتاب حول أذربيجان، أقر هو بنفسه بأنه ليس على المستوى المطلوب. في العدد الأخير من مجلة "سبكتاتور"، كتب مقالاً بعنوان "كيف أفادت عُمان من حرب إيران؟"، مما يظهر عمق الخبرة الميدانية التي يتمتع بها.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

إن الفارق بين الخبرة العربية والإنجليزية يبقى غريباً ومحيراً، حيث تتطلب الأولى 265 رحلة ميدانية وستة عقود من العمل، بينما قد تتطلب الثانية مجرد تذكرة سفر سريعة وبعض القراءات العابرة. هذه الفجوة المهنية تطرح تساؤلات عميقة حول معايير التحليل السياسي في الإعلام العربي المعاصر.