تحليل صحفي: هل السلام في إسرائيل يبدأ من الداخل أم من هزيمة إيران؟
في جولة بين أبرز مقالات الرأي في الصحف البريطانية، تبرز تساؤلات جوهرية حول السرديات الكبرى للصراع في الشرق الأوسط. هل يكفي إضعاف إيران لتحقيق السلام في إسرائيل، أم أن جذور الصراع أقرب إلى الداخل؟ ومن يتحمل كلفة الحروب الحقيقية؟
نقد طرح نتنياهو: تجاهل القضية الفلسطينية
في صحيفة الغارديان، تنتقد الكاتبة داليا شايندلين بشدة طرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يربط تحقيق السلام بهزيمة إيران. وتعتبر أن هذا التصور يتجاهل جوهر الصراع المرتبط بالقضية الفلسطينية، ويُرجِع العداء لإسرائيل إلى "تعصّب ديني وكراهية غير مفهومة"، متجاهلاً التعقيدات السياسية العميقة.
تشير شايندلين إلى أن استطلاعات الرأي التي أُجريت بعد أسبوعين من اندلاع الحرب أظهرت دعماً واسعاً لها داخل إسرائيل بلغ نحو 80%، وارتفع إلى 91% بين اليهود، في مقابل معارضة نحو ثلثي المواطنين العرب داخل إسرائيل. لكنها توضح أن هذه الأرقام لا تعكس الصورة كاملة، إذ يعيش كثير من الإسرائيليين حالة إنهاك بعد أكثر من ثلاثة أسابيع من الركض إلى الملاجئ ليل نهار هرباً من الهجمات الصاروخية، إلى جانب الأضرار الاقتصادية والاجتماعية والمادية التي خلّفتها الحرب.
تراجع التوقعات وأهداف الحرب
تلفت الكاتبة إلى تراجع التوقعات بشأن أهداف الحرب، إذ أظهر استطلاع لمعهد دراسات الأمن القومي أن نسبة من اعتقدوا في الأسبوع الأول أن الحرب قد تؤدي إلى "انهيار كامل" للنظام الإيراني بلغت 22%، قبل أن تنخفض إلى نحو النصف في الأسبوع الثاني. وترى أن هذا الدعم الشعبي يرتبط جزئياً بما يُعرف بتأثير "الالتفاف حول العلم"، إلى جانب اعتقاد لدى كثير من الإسرائيليين بأن هذه الحرب قد تعيد تشكيل واقعهم.
وتوضح أن نتنياهو يقدّم إيران باعتبارها الداعم والمموّل والمسلّح لكل التهديدات التي تواجه إسرائيل، من حماس إلى حزب الله والحوثيين، بل ويُروَّج لفكرة أن إسقاط النظام الإيراني سيجعل هذه الجهات "بلا تأثير يُذكر". وتعتبر الكاتبة أن هذا الطرح يتسم بالتبسيط، ويخدم غرضاً مزدوجاً: تقديم نتنياهو كقائد على الساحة الدولية، وفي الوقت نفسه صرف الانتباه عن الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة، وعن حق الفلسطينيين في تقرير المصير.
تفاقم الأوضاع على الأرض
تشير الكاتبة إلى أن الحرب، بما تفرضه من انشغال إعلامي ويومي داخل إسرائيل، تُهمّش النقاش حول الفلسطينيين، في ظل تركيز الرأي العام على متابعة العمليات العسكرية وتداعياتها. وتضيف أن هذا الانشغال يتزامن مع تفاقم الأوضاع على الأرض، إذ تتحدث عن تصاعد في أعمال العنف في الضفة الغربية، بما في ذلك عمليات قتل واعتداءات من مستوطنين، إلى جانب ما تصفه بسرقة ممتلكات الفلسطينيين.
وتخلص الكاتبة إلى أن إسقاط النظام الإيراني، أو حتى "سحق قدراته"، لن يحقق السلام الذي يتحدث عنه نتنياهو، ولن ينهي دوامات العنف، لأن تجاهل حقوق الفلسطينيين، وعلى رأسها حق تقرير المصير، سيبقي جذور الصراع قائمة، بل وقد يعمّقها، ما يجعل أي استقرار دائم أمراً بعيد المنال.
المستفيدون الاقتصاديون من الحرب
ننتقل إلى صحيفة التايمز، حيث ترى الكاتبة إيما دنكان أن الحرب مع إيران، رغم تركيز النقاش على أضرارها الاقتصادية، تُنتج في المقابل رابحين يحققون مكاسب كبيرة من استمرارها. وتستهل بالإشارة إلى أن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إجراء "محادثات مثمرة" مع إيران دفع أسعار الأسهم إلى الارتفاع وعقود النفط إلى التراجع، وهو ما استفاد منه متداولون مجهولون راهنوا قبل نحو ربع ساعة من الإعلان بمبلغ 580 مليون دولار.
ترى دنكان أن الحرب تعمل كأداة لإعادة توزيع المكاسب، إذ يستفيد المتداولون من التقلبات الحادة في الأسواق، في ظل رسائل متناقضة بين الحديث عن قرب التوصل إلى اتفاق والتلويح بتصعيد عسكري. وتشير إلى أن قطاع الدفاع من أبرز المستفيدين، مع طلب البنتاغون تمويلاً إضافياً بقيمة 200 مليار دولار، إلى جانب صعود شركات تكنولوجية مثل بالانتير، فضلاً عن شركات ناشئة مثل أندوريل التي وقّعت عقداً قد تصل قيمته إلى 20 مليار دولار.
مكاسب قطاعي الطاقة والشحن
في قطاع الطاقة، تنقل عن ترامب قوله إن الولايات المتحدة، بوصفها أكبر منتج للنفط، تحقق أرباحاً مع ارتفاع الأسعار، مشيرة إلى أن منتجي النفط الصخري قد يحققون نحو 63 مليار دولار إضافية إذا بقي السعر فوق 100 دولار للبرميل، في حين يتحمل المستهلكون كلفة الأسعار المرتفعة. كما تلفت إلى مكاسب في قطاع الشحن، إذ قفزت كلفة استئجار ناقلة نفط عملاقة من الخليج إلى الهند في بداية الحرب إلى نحو 500 ألف دولار يومياً، إضافة إلى ارتفاع أقساط التأمين.
وعلى مستوى الدول، تقول الكاتبة إن روسيا من أبرز المستفيدين، بعائدات إضافية تُقدّر بنحو 150 مليون دولار يومياً، في وقت عززت فيه الحرب نفوذ الحرس الثوري الإيراني داخلياً. وتخلص الكاتبة إلى أن كلفة الحرب لا تتوزع بالتساوي، إذ يتحملها المستهلكون والاقتصاد العالمي، بينما تجني أطراف أخرى أرباحاً كبيرة من استمرارها.
جدل حول "الرجولة السامة" في سياق الحرب
إلى صحيفة التلغراف، حيث مقال للكاتبة شيريل جاكوبس تناقش خلاله تصاعد الجدل حول ما يُعرف بـ"الرجولة السامة"، في سياق وثائقي جديد يتناول ظاهرة "المانوسفير". وتشير الكاتبة إلى أن المقاربة السائدة تفسّر هذه الظاهرة بعوامل مثل غياب القدوات الذكورية أو تأثير الإنترنت، لكنها ترى أن هذه التفسيرات قد تكون قاصرة، لأنها تتجاهل تحولات أعمق في المجتمع.
ترى جاكوبس أن جزءاً من جاذبية هذا الخطاب يرتبط بشعور بعض الرجال بالتهميش، في ظل تغيّرات اقتصادية واجتماعية أضعفت مسارات تقليدية كان يُعبّر من خلالها عن "الرجولة". وتطرح فكرة أن بعض الخطابات المتطرفة في "المانوسفير" قد تكون، جزئياً، تعبيراً عن رفض ثقافي أو اجتماعي لما يعتبره هؤلاء "قيوداً" مفروضة عليهم.
وتخلص جاكوبس إلى أن هذه الظاهرة تكشف عن كلفة غير مباشرة للتغيّرات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية المرتبطة بالمساواة بين الجنسين، ما يستدعي نقاشاً أوسع حول كيفية معالجة هذا الشعور دون تبرير الخطابات العدائية المرتبطة به.



