إسرائيل تعرقل المفاوضات لإطالة الصراع وتحقيق أهداف نتنياهو الإقليمية والشخصية
في خضم الحرب الجارية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تكشف التعقيدات المتزايدة أن حديث المفاوضات لا ينفصل عن مساعي إسرائيل لإطالة أمد الصراع وعرقلة أي تسوية لا تخدم أهداف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الإقليمية والشخصية. فالحرب التي اندلعت مؤخرًا ليست سوى تتويج لعقود من المحاولات الإسرائيلية لجر الولايات المتحدة إلى صراع مباشر مع طهران.
تحليل عميق للدوافع الإسرائيلية وراء عرقلة التسوية
في تغريدة له بتاريخ 5 آذار (مارس) 2026، لخص السيناتور الأمريكي بيرني ساندرز المأزق الذي وضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه فيه، مشيرًا إلى أن نتنياهو "المتطرف" الذي دفع الولايات المتحدة نحو الحرب على إيران منذ عقود، وجد أخيرًا رئيسًا يقول له نعم. هذا التصريح يسلط الضوء على كيف أن الحرب الحالية هي في جوهرها حرب إسرائيلية وليست أمريكية، كما أكد الكولونيل ديريك هارفي، المدير السابق لقسم الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأمريكي، الذي حذر من أن حربًا إيرانية-إسرائيلية سوف تجر الولايات المتحدة إلى النزاع وتفشل جهود تحقيق الاستقرار في المنطقة.
الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن أغلب القضايا التي ناقشتها الولايات المتحدة في مفاوضاتها مع إيران، مثل البرنامج الصاروخي الإيراني وكبح جماح التنظيمات المسلحة المرتبطة بها، تمثل في الواقع اهتمامات إسرائيلية بحتة تم وضعها على طاولة التفاوض بطلب إسرائيلي، ربما بهدف إفشال تلك المفاوضات من الأساس. فالاستقرار الإقليمي لا يخدم نزوع الهيمنة الذي ينتهجه اليمين المتطرف في إسرائيل بزعامة نتنياهو، الذي لم يتردد في قضم أجزاء جديدة من سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، وكذلك من الضفة الغربية وقطاع غزة، ويسعى الآن إلى ضم أجزاء من جنوب لبنان تحت ذريعة "إبعاد خطر حزب الله".
أسباب متعددة تدفع إسرائيل إلى عرقلة وقف الحرب
ثمة أسباب عميقة تدفع إسرائيل إلى العمل بكل وسائلها الاستخبارية والإعلامية والسياسية لعرقلة التوصل إلى إيقاف الحرب، ومن أبرز هذه الأسباب:
- هدف إدخال المنطقة في الفوضى: ليس الهدف من الحرب مجرد إضعاف إيران، بل دفع أطراف إقليمية أخرى إلى الدخول في الصراع، وإعادة رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط بما يخدم المصالح الإسرائيلية التوسعية.
- استغلال الفرصة النادرة: في ظل دعم ترامب الحالي، ترى إسرائيل أن هذه فرصة ذهبية قد لا تتكرر لجر الولايات المتحدة إلى صفها في حرب ضد إيران، خاصة مع تزايد الوعي الأمريكي بجرائم إسرائيل في غزة والضفة الغربية، مما قد يقيد أي رئيس أمريكي قادم.
- هدف إسقاط النظام الإيراني: بينما يصر ترامب على أن هدف الحرب ليس إسقاط النظام في طهران، فإن هذا يبقى هدفًا إسرائيليًا رئيسيًا، حيث يعتقد نتنياهو أن الفوضى الناتجة ستحول إسرائيل إلى "دولة عظمى" إلى جانب الولايات المتحدة.
- استغلال هشاشة الدول العربية: تستغل إسرائيل حالة الضعف التي تعاني منها دول عربية مثل العراق وسوريا وليبيا واليمن بسبب الحروب الداخلية، لتحقيق حلم "إسرائيل الكبرى" عبر التوسع الإقليمي.
- المناخ الدولي الجديد: مع إلغاء ترامب للنظام الدولي التقليدي وإنشائه "مجلس السلام العالمي" كبديل لمجلس الأمن، وجدت إسرائيل مناخًا عالميًا مؤقتًا يخدم سياساتها التوسعية.
تعقيدات المفاوضات والعقبات التي تواجهها
أثبتت الأحداث الأخيرة صحة تحليلات الخبراء الذين رأوا أن المهلة التي منحها ترامب لإيران لفتح مضيق هرمز، والتي تنتهي في 24 آذار (مارس) 2026، كانت مجرد تصعيد يهدف إلى رفع سقف التهديد تمهيدًا للمفاوضات. تمديد هذه المهلة إلى تاريخ جديد، إلى جانب الإعلان عن وجود "مفاوضات" و"15 بندًا أمريكيًا للتفاوض"، يكشف حجم المأزق الذي يحاول ترامب الخروج منه، حيث أن تصاعد وتيرة الحرب ليشمل كل شيء يبقى هدفًا إسرائيليًا طموحًا.
كما أن هناك احتمالًا آخر يتمثل في أن تمديد المهلة الممنوحة لإيران بخمسة أيام إضافية قد يكون محاولة لابتزاز دول الخليج ووضعها بين خيار الدفع أو التصعيد الإضافي. وإذا افترضنا جدلاً أن ترامب صادق في نيته لإنهاء الحرب، فإن هناك معرقلات أخرى غير المساعي الإسرائيلية، مثل اشتراط إيران شمول الجبهة اللبنانية في أي اتفاق، وهو ما يرفضه نتنياهو الذي يريد استمرار الحرب على الأقل في تلك الجبهة.
دوافع شخصية لنتنياهو وراء إطالة أمد الصراع
يعود إصرار نتنياهو على استمرار الحرب إلى أسباب شخصية عميقة، حيث ينتظره محاكمات تتعلق بقضايا فساد، وقد طلب محاموه إبطالها بذريعة انخراطه في حرب "تهدد كيان الدولة". بالإضافة إلى ذلك، فإن فشله في تحقيق نصر حاسم في حرب غزة، رغم التفوق العسكري الهائل لإسرائيل، يدفعه إلى الانتقال من حرب إلى أخرى على أمل تحقيق نصر يغفر له إخفاقاته السابقة.
حتى إذا قبلت الولايات المتحدة بشروط إيران وضغطت على نتنياهو لقبولها، فإن التفاصيل العملية لإنهاء الحرب تبقى معقدة، خاصة فيما يتعلق بموضوع نزع سلاح حزب الله والضمانات لانسحاب إسرائيل من المناطق التي احتلتها. التجربة السابقة مع الضمانات الفرنسية والأمريكية لم تمنع إسرائيل من انتهاكات متكررة لوقف إطلاق النار في لبنان.
أخيرًا، يبقى البون شاسعًا بين البنود الأمريكية التي سربتها وسائل إعلام إسرائيلية والشروط الإيرانية المعلنة، والتي تشمل دفع تعويضات عن الأضرار التي لحقت بها جراء الحرب. التوفيق بين هذه المواقف المتباينة والوصول إلى صيغة تسوية مقبولة قد يستغرق أسابيع طويلة، إن لم يتم عرقلته بشكل متعمد من قبل الأطراف المعنية.



