الحرب والخراب النفسي: فاتورة باهظة تدفعها الإنسانية في صراعات الغرائز
مع استمرار الحرب في المنطقة لأسبوعها الثالث، تتكشف تداعيات مروعة تتجاوز الدمار المادي لتطال النسيج النفسي والإنساني والاقتصادي. فالحروب، كما يبدو، لا تنتج سوى الخراب، وتكشف بوضوح أن الجميع يخسر عندما تُدار الصراعات بالغرائز بدلاً من العقل. فكما لم تكن حرب روسيا على أوكرانيا عملية عسكرية سريعة كما أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مطلع عام 2022، يبدو أن حسابات الحرب على إيران لم تكن دقيقة، حيث لم يسقط النظام الإيراني، بل على العكس، جرّ لبنان، البلد الصغير المنهك، إلى الخراب، وانتقم لنفسه بضرب الدول الخليجية المجاورة، وخنق العالم نفطيًا عبر قطع الإمدادات في مضيق هرمز الحيوي.
كلفة الحرب: مليارات الدولارات ودمار لا يُحصى
ها هي الحرب تكمل أسبوعها الثالث، والسؤال الذي يطرح نفسه: ماذا جنينا؟ الإجابة واضحة: قتل ودمار على المقلبين، حرق عشوائي للموارد الطبيعية، وبث الرعب وعدم الأمان على امتداد ملايين الكيلومترات. فوق ذلك، تتفاقم الكوارث الإنسانية، حيث نزح أكثر من مليون لبناني لا يعرفون إن كانت ستبقى منازل يعودون إليها. هذا فضلاً عن استنزاف مليارات الدولارات، فبحسب تقرير البنتاغون للكونغرس، بلغت كلفة الأسبوع الأول من الحرب 11.3 مليار دولار، ويطلب البنتاغون الآن أكثر من 200 مليار دولار إضافية. هذه الأرقام الهائلة لا تشمل سوى أميركا، دون احتساب كلفة الحرب على باقي الأطراف المنخرطة فيها.
الآثار النفسية: فاتورة أكبر من الماديات
لكن الكلفة لا تقتصر على الماديات، بل هناك فاتورة نفسية أكبر يدفعها المدنيون، سواء كانوا تحت الخطر المباشر أو مجرد متابعين للأحداث. فبحسب علم النفس، الأفراد في مناطق النزاع يختبرون ما يُعرف بسيكولوجية البقاء، حيث ينتقل الدماغ من "التفكير المنطقي" إلى "العمل الغريزي" عبر آليات محددة مثل استجابة النجاة الفائقة التي تُغرق الجسم بالكورتيزول والأدرينالين. هذا الوضع يرفع الحواس إلى أقصى درجاتها، فيصبح الجهاز العصبي عاجزًا عن التمييز بين صوت "رعد" وصوت "القصف"، مما يؤدي لاحقًا إلى "اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)".
يحصل أيضًا ما يُعرف بالانفصال الذهني، وكآلية دفاعية، يلجأ العقل إلى "الخدر العاطفي"، حيث ينفصل الفرد عن مشاعره مثل الحسن والخوف العميق ليركز فقط على الاحتياجات الحيوية مثل الأكل والمأوى. هذا "الانفصال" هو ما يفسر برود البعض أثناء الكوارث، وهو وسيلة الدماغ لتجنب الانهيار التام. وللعلم، اضطراب ما بعد الصدمة لا يصيب المدنيين فقط، إذ سجلت حالات كثيرة بين الجنود الأميركيين الذين شاركوا في الحروب سابقًا، ومن الأمثلة على ذلك ماثيو ليفلسبرغر، الرقيب الأول في العمليات الخاصة في الجيش الأميركي، الذي فجّر شاحنة سايبرتراك في لاس فيغاس وانتحر يوم رأس السنة 2025، تاركًا رسائل أشار فيها إلى تأثره بخسارة رفاقه في الحرب.
الصدمة الثانوية: تأثير الحرب على المشاهدين
هذه الآثار النفسية لا تقتصر على من يكون في قلب النار، فهناك ما يُعرف بتروما المشاهدة، ومن هم خلف الشاشات يتعرضون لما يسمى بـ "الصدمة الثانوية" عبر العمليات التالية:
- إنهاك التعاطف: التعرّض المستمر لمشاهد الموت والدمار يؤدي إلى استنزاف الموارد العاطفية. يبدأ الدماغ بـ "التطبيع" مع العنف كصمام أمان، حيث يقلّ معدل الاستجابة العصبية للمشاهد القاسية، وهو ما يُعرف بـ "إزالة الحساسية تدريجيًا".
- العجز المكتسب: تراكم مشاعر الألم دون القدرة على التدّخل يولّد حالةً من الإحباط السريري. يشعر المشاهد بـ "عقدة الناجي"، وهي حالة نفسية تجعله يشعر بالخزي لممارسة حياته الطبيعية، مما يؤدي إلى اضطرابات في النوم والتركيز.
- التهديد المتخيّل: الدماغ لا يفرق دائمًا بين "الخطر الحقيقي" و"الخطر المُشاهد"؛ فرؤية الانفجارات تحفز استجابة "الكرّ والفرّ" لدى المشاهد وكأنه في قلب الحدث، مما يسبب إرهاقًا مزمنًا للجهاز العصبي دون وجود مخرج فيزيائي لتلك الطاقة.
الحروب تُدار بالغرائز: لا أحد يربح
كل ذلك من أجل ماذا؟ لتهدئة خوف كامن؟ ففي علم النفس هناك ما يعرف بـ offensive defense، أي الهجوم للدفاع عن النفس. وقد يبدو الهجوم شجاعةً، ولكنه غالبًا ما يكون نابعًا من مشاعر الخوف. وإذا راقبنا التصريحات السياسية التي تبرّر الحرب، فماذا تقول؟ إيران تشكّل خطرًا، وعلينا استباق هجومها بالهجوم عليها. وماذا تفعل إيران في المقابل؟ تهجم بعشوائية منظّمة على الدول النفطية من حولها، جنّدت حزب الله لمساندتها، وتكثّف ضرباتها على الدول الخليجية. في البداية بررت بأنها تهاجم القواعد العسكرية الأميركية، ولكنها منذ بدء الحرب وسعت رقعة هجماتها لتطال المطارات المدنية والموانئ، والمنشآت النفطية والمناطق السكنية، من دون أن تقتصر الأضرار على الماديات، وتتعداها إلى المدنيين.
قد نظن أن العقل هو الذي يحكم الحروب، ولكن الحقيقة عكس ذلك تمامًا، فالحروب، وإن كانت تتطلب التكتيك والتخطيط العسكري والاستراتيجي، فإنها في الواقع تُدار بالغرائز، وتؤجج بها. نعم، تحتاج الحروب إلى الذكاء، والرؤية، والمنهجية، والصمود، وغيره، وهذه كلها مهارات تساهم في تقدّم البشرية إذا استُخدمت لخيرها، ولكن في الحروب ماذا تنفع؟ أن تسجّل منتصرًا ومهزومًا؟ وماذا يعني الانتصار فوق الموت والخراب؟ في الحروب لا أحد يربح، الكل خاسر، وأول الخاسرين الإنسانية!



