تهديدات إسرائيلية باغتيال المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي
أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي بشكل صريح أن المرشد الأعلى الجديد للجمهورية الإسلامية الإيرانية، مجتبى خامنئي، أو أي مرشد آخر سيخلفه، "سيكون هدفاً لا لبس فيه للاغتيال". وحذّر الوزير من أن الجيش الإسرائيلي تلقى تعليمات واضحة بالتحضير والتصرّف بكل الوسائل المتاحة لتنفيذ هذه المهمة الخطيرة. هذا التصريح يأتي في وقت تثبت فيه إسرائيل استعدادها الدائم لاستهداف قادة الأعداء وخلفائهم بسرعة، كما حدث في مسار "حزب الله" خلال أيلول من عام 2024.
خلافة مجتبى خامنئي: تحديات داخلية وخارجية
على الرغم من هذه التهديدات، قد تهمل الجمهورية الإسلامية اعتبارات الحذر وتسرع في إتمام عملية الخلافة، بدلاً من الانتظار حتى نهاية النزاع الحالي للإعلان عن مرشد جديد. وقد فعلت ذلك بالفعل، مما يثير تساؤلات حول طبيعة القيادة التي سيمثلها مجتبى خامنئي إذا تمكن من تثبيت موقعه والنجاة بحياته. هل سيكون مجتبى قائداً سياسياً للنظام؟ نظراً للعلاقة العائلية وصغر سنه النسبي البالغ 56 عاماً، يشير باحث أميركي من أصول إيرانية إلى أن مجتبى سيبدأ من موقع يؤهله للاستيلاء السريع على مقاليد الأمور، مستفيداً من أكثر من خمسة آلاف موظف في الطاقم الشخصي لوالده ومكتبه، بالإضافة إلى طيف واسع من المستشارين والخبراء.
كان لوالده، علي خامنئي، ممثلون في كل مقاطعة ووزارة حكومية، وفي كثير من المدن ووحدات الحرس الثوري الإسلامي. وقد احتل مجتبى منذ أمد بعيد مكانة محورية في مكتب والده المرشد الأعلى، حيث يدّعي مراقبون أنه أثّر كثيراً في إمكانية الوصول إلى والده بل وتحكّم فيها. وهو آثر العمل في الظل حتى حين سعى إلى التأثير في قرارات مصيرية، بعضها انتهى نهاية وخيمة، كسعيه لإيصال محمود أحمدي نجاد إلى السلطة عام 2005.
دور مجتبى كقائد عام للقوات المسلحة الإيرانية
تجري هذه الخلافة في لحظة استثنائية من أزمة النظام الإيراني، حيث هناك حرب تخوضها إيران ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، واغتيال مباغت للمرشد السابق. اختيار مجتبى سيكون انتقالاً غير مسبوق للسلطة داخل الأسرة الواحدة في الجمهورية الإسلامية، وهو انتقال بالغ الحساسية في ضوء أيديولوجية النظام وموروثه التاريخي، فضلاً عن تاريخ البلاد قبل عام 1979. وبحكم خلفية مجتبى، ستمتد تداعيات خلافته لتطال المؤسسة العسكرية في العمق.
في سياق مسيرته الطويلة كصانع نفوذ من وراء الستار في مكتب المرشد الأعلى، رسّخ مجتبى حضوره في الأجهزة الأمنية والاستخبارية والعسكرية والدينية الإيرانية. وبنى روابط عميقة مع شبكات "الحرس الثوري"، كما أدار على نحو غير مباشر شبكة واسعة لغسل الأموال والاستثمار في الخارج، تموّل جزئياً عمليات "الحرس". وفي مذكرة مسرّبة نُشرت منذ سنوات، أشاد أمير علي حاجي زاده، القائد الراحل لقوة القضاء في "الحرس الثوري"، بمعرفة مجتبى العسكرية ودعمه الشامل للمنظمة، ووفّر تمويلاً إضافياً لمشاريع الصواريخ والمسيّرات.
التماسك الداخلي والمشروعية الدينية
التجربة العسكرية الأولى لمجتبى تشكّلت في حرب إيران والعراق خلال مرحلة المراهقة، عندما كان في "الحرس الثوري". معظم الأدوار التي قام بها كانت غير قتالية، لكنها كانت كافية لتُنشئ صلات وطيدة مع رفاقه في "كتيبة حبيب" الصغيرة، وكثيرون منهم شغلوا لاحقاً ولا يزالون يشغلون مناصب رفيعة في "الحرس" والأجهزة الاستخبارية والحكومية. علاقاته هذه لا تزال ركيزة قاعدته النفوذية حتى اليوم.
لذا، ستعتمد سلطته كمرشد أعلى على صون التماسك داخل "الحرس" والحفاظ على شبكة علاقاته خلف الكواليس، أكثر من اعتمادها على المشروعية الدينية الواسعة. ثمة بعد آخر شخصي لا يمكن إغفاله عند متابعة القرارات المستقبلية لمجتبى، وهو الطابع الصادم لخلافته نتيجة قتل والده ووالدته وزوجته وشقيقته وصهره في آن واحد. قد يدفعه ذلك إلى النظر إلى التهديدات الأمنية الخارجية من زاوية وجودية حادّة، ويُرسّخ اهتمامه بمنظومة القوة الدولتية وصمودها، ويجعله أقل استعداداً من والده للانفتاح على التسوية مع الولايات المتحدة.
تداعيات سياسية واستراتيجية محتملة
أمّا الآن، فربما تكون ولايته هشّةً في أساسها، إذ إن وراثتها في زمن حرب يمكن أن تثير منافسات داخل النظام وتفجّر السخط الشعبي على المؤسسة الدينية. علماً بأن افتقار مجتبى إلى أوراق اعتمادية لاهوتية رفيعة، وهو لم يحل دون وصول والده إلى السلطة، لن يؤثّر بدوره على خلافته. لمواجهة هذه التحديات وغيرها، سيسعى مجتبى على الأرجح إلى تعزيز قبضته بسرعة، بإحكام السيطرة على القوات المسلحة وإجراء تطهيرات الولاء في صفوف الأجهزة الأمنية والعسكرية، وتمتين الدور المحوري لـ"الحرس" في إدارة الحكم والاقتصاد.
هل من تداعيات سياسية لخلافة مجتبى والده خامنئي "الشهيد" في الموقع الأول إيرانياً سياسياً وأمنياً وعسكرياً واقتصادياً ودينياً؟ لم يجامل ترامب في مقابلة صحافية أجراها معه موقع "إكسيوس"، إذ قال: "إنهم يضيّعون وقتهم. نجل خامنئي شخصية هامشية. لا بدّ من أن أكون طرفاً في القرار كما حدث مع نلسي (رودريغيز) في فنزويلا. نجل خامنئي مرفوض بالنسبة إليّ. نريد شخصاً يُرسي الاهتمام والسلام في إيران". وسواء عكست تصريحاته السياسة الأميركية أم لا، فإن الأخطار الاستراتيجية لصعود مجتبى إلى السلطة واضحة المعالم.
استراتيجيات مستقبلية وتحديات أمام النظام
فتحت وطأة ضغوط شخصية وسياسية شديدة، وبالتأثير القوي لـ"الحرس"، قد يلجأ مجتبى إلى استعادة الردع في الخارج وتحصين الشرعية في الداخل. وتبعاً لحالة القدرات الإيرانية المتآكلة تدريجياً، فإن هذه الخيارات قد تشمل:
- توسيع ضربات الصواريخ الباليستية، بما في ذلك استهداف دول الخليج.
- تصعيد توظيف الوكلاء في الحرس.
- تكثيف القمع الداخلي لاحتواء الانتفاضات.
- تشريع الأنشطة النووية السرية.
- استكشاف قنوات اقتناء غير نظامية للقدرات الصاروخية والنووية على المدى القريب.
وبوصفه القائد العام الجديد للقوات المسلحة، سيتبنّى مجتبى على الأرجح استراتيجية "التوطيد والتحدّي"، أي الارتكاز على "الحرس" والتركيز على العمق الاستراتيجي بالقوة القسرية، واستخدام الصواريخ للتدليل على الصمود. وقد يُجمع على المدى المتوسط مجتبى و"الحرس الثوري" على ضرورة الإسراع في امتلاك أسلحة نووية درءاً للهجمات الأميركية والإسرائيلية المستقبلية.
وسواء جعل هذا النظام مستقراً أو عجّل بتفكّكه، فإنه سيعيد رسم ملامح المرحلة التالية من الصراع. وإذا انهار النظام، فسيحاول مجتبى على الأرجح العمل مع العناصر الموالية الباقية في "الحرس الثوري" و"الباسيج" لخوض حرب عصابات تعطل مساعي الشعب الإيراني لإعادة بناء وطنه.
