ترمب وخامنئي: اختلال موازين القوة وانهيار الرؤية الثورية الإيرانية
ترمب وخامنئي: اختلال القوة وانهيار الرؤية الإيرانية

ترمب وخامنئي: صراع الإرادات في ظل اختلال موازين القوة

بعد انقضاء ثلاثة أسابيع على ما يُعرف بـ"ملحمة الغضب"، لا يبدو أن قادة إيران في وارد الاستسلام، كما أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ليس في وارد التراجع، حيث يبدو كلاهما مصمماً على مواصلة القتال. وتلعب شخصيتا ترمب والمرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي دوراً محورياً في سردية التصعيد الحالية، إذ يرى كل منهما أن اللحظة التاريخية ستخلده؛ فخامنئي يسعى للانتصار على ما يصفه بـ"الشيطان الأكبر"، بينما يهدف ترمب إلى أن يُذكر في التاريخ كـ"هازم إيران" ومكرس سلام الشرق الأوسط.

شخصيتان متناقضتان وفراغ في القيادة

تظهر شخصية مجتبى خامنئي غامضة إلى حد كبير، فمنذ انتخابه لم يظهر أمام شعبه إلا نادراً، ولم يُلقِ سوى خطاب واحد عبر وسيط، في حين يملأ ترمب الشاشات والصحف ويدير الحرب كإمبراطور. هذا التناقض يُبرز فراغاً واضحاً في قيادة إيران، مقابل مركزية القرار في أمريكا. في الجانب الإيراني، يتجلى هذا الفراغ من خلال ازدواجية السلطة بين الدولة الرسمية والدولة الثورية، حيث تتخذ المؤسسات الثورية مثل الحرس الثوري والباسيج القرارات دون تحمل المسؤولية المباشرة، بينما تتحمل الدولة الرسمية العبء وتبرر تلك القرارات، كما ظهر مؤخراً في اعتذار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لدول الخليج عن الاعتداءات وتراجعه لاحقاً.

اختلال الميزان العسكري والرؤية الاستراتيجية

رغم أهمية الاختلاف بين الشخصيتين، إلا أنه لا يكفي لفهم سيناريو الحرب الحالي، حيث يجب حساب الفارق الهائل في القوة العسكرية والرؤية الاستراتيجية. فالميزان العسكري يميل بشدة لصالح ترمب، الذي يستمتع بقوته ويؤكد أن هدفه النهائي هو استسلام إيران أو تدمير قدراتها العسكرية. في المقابل، يحاول المرشد خامنئي تضييق هذه الفجوة عبر توسيع المعركة أفقياً ليشمل دول الجوار وإقفال مضيق هرمز، معتقداً أن دول الخليج ستضطر للضغط على ترمب لإيقاف القتال حفاظاً على نموذجها الاقتصادي.

أدى هذا الاختلال الكبير في الميزان العسكري حتماً إلى اختلال في تحقيق الرؤية الاستراتيجية الإيرانية. فمنذ عام 1979، سعت إيران لنشر ثورتها الدينية كوعاء فكري للهيمنة، مستخدمة الميليشيات العقائدية كحصان طروادة لدخول العواصم العربية، واعتمدت على برنامج نووي لحماية مصالحها وإخراج أمريكا من المنطقة. لكن في 7 أكتوبر 2023، استفاقت إيران على هشاشة استراتيجيتها، حيث قطعت إسرائيل أذرعها ودمرت حزب الله وأضعفت الحوثي، وفي يونيو 2025 قصفت أمريكا البرنامج النووي الإيراني، ثم شنت "ملحمة الغضب" في فبراير الماضي بهدف تدمير القدرات العسكرية الإيرانية وإسقاط رؤيتها الاستراتيجية.

خيارات إيران الضيقة والعواقب المحتملة

مع استمرار المعركة، تضيق الخيارات العسكرية لإيران يوماً بعد يوم، ولجوءها إلى إغلاق مضيق هرمز قد يضاعف خسائرها، حيث أن خنق الشريان الاقتصادي العالمي سيدفع العديد من الدول للاصطفاف ضدها عسكرياً. هذا السلاح الاقتصادي قد يرتد عليها بمخاطر مضاعفة، إذ قد تصادر أمريكا ناقلات النفط الإيرانية في عرض البحر، مما يؤدي إلى إغلاق آبار النفط وتضررها بشدة، مع إمكانية احتلال جزيرة خرج التي تشكل عصب الحياة الاقتصادية لإيران.

مراهنة إيران على عوامل خارجية ومستقبل غامض

في مواجهة هذا الواقع، تراهن إيران على أمرين رئيسيين: نفاد صبر الرئيس ترمب، ومساعدة روسيا والصين. لكن إطالة الحرب ليست في صالح أي من الطرفين، ومع ذلك، فإن أمريكا يحكمها إمبراطور مولع بمكانة تاريخية، وإسرائيل ترى إيران خطراً وجودياً، بينما لم يعد الجوار العربي مقتنعاً بسياسة الترقيع بعد الاعتداءات. كما أن التعويل على روسيا قد لا ينفع، فهي تستفيد من "ضبط التوتر" لإبقاء النزاع بلا حل، وتولي علاقاتها مع دول الخليج أهمية كبرى، ناهيك عن استفادتها من ارتفاع أسعار النفط. أما الصين، المهتمة بالاقتصاد وبناء قدراتها العسكرية، فلا تريد مجابهة مبكرة مع ترمب ولا إغضاب إسرائيل أو إفساد علاقاتها الاقتصادية مع دول الخليج.

قد تصمد إيران كما صمدت اليابان في الماضي، لكنها قد تدرك أن الحرب مع قوة متفوقة تنتهي بمآسٍ، كما حدث لليابان في الحرب العالمية الثانية، التي اختارت الاستسلام وتحولت إلى دولة ديمقراطية تعيش في سلام. الآن، تواجه إيران فرصة خيار اليابان للعيش بسلام، أو مواصلة القتال أملاً بنصر إلهي، في مشهد يسلط الضوء على تعقيدات الصراع الإقليمي والدولي.