القوة الناعمة في عالم متصاعد: هل تتراجع أمام هيمنة القوة الصلبة؟
في عالمٍ تهيمن فيه القوة الصلبة على عناوين الأخبار اليومية، مع تزايد التصعيد العسكري والاقتصادي، يبدو العالم في أمس الحاجة للتذكير بمفهوم القوة الناعمة وتأثيرها وجاذبيتها. فرغم أن القوة العسكرية تُنظر إليها بأنها تحقق النتائج المرجوة في غضون فترة زمنية معقولة، إلا أنها في كثير من الحالات تفشل في ذلك، فضلاً عما تسببه من ضحايا وخسائر فادحة. في المقابل، فإن القوة الناعمة أكثر تعقيداً وقد تستغرق فترة زمنية أطول لتحقيق النتائج المرجوة، لكنها تظل سلمية وأكثر استدامة على المدى البعيد.
ما هي القوة الناعمة وكيف تطورت؟
بدايةً، تشير القوة الناعمة إلى القدرة على الجذب والإقناع من خلال الثقافة والقيم والسياسة الخارجية، بدلاً من الإكراه باستخدام القوة الصلبة التي تشمل العسكرية أو الاقتصادية. في العقود الأخيرة، شاع استخدام مصطلح «القوة الناعمة» في الشؤون الدولية للدلالة على التأثير في الرأي العام العالمي وتغييره عبر قنوات غير مباشرة نسبياً، وجماعات الضغط، والمنظمات السياسية وغير السياسية مثل الاجتماعية والثقافية والفنية وغيرها.
كان لانهيار الاتحاد السوفيتي دون حرب، ونهاية الحرب الباردة بانتصار أمريكي حاسم ومريح، دور كبير في بروز فكرة القوة الناعمة. في هذا المناخ، صاغ جوزيف ناي، أستاذ جامعة هارفارد، مفهوم «القوة الناعمة»، وخصص له كتابًا عام 1990، ثم طوره عام 2004 في كتابه «القوة الناعمة: وسائل النجاح في السياسة العالمية». جادل ناي بأنه بدلًا من استخدام الإكراه العسكري، يُمكن لأمريكا الاعتماد على القوة الناعمة لتعزيز مكانتها القيادية العالمية في ثلاثة مجالات رئيسية.
- الأولى: قيمها الثقافية، حين تكون جذابة للآخرين، سواء ثقافة عليا نخبوية تشمل العلوم والآداب والجامعات والابتعاث والمفكرين والمثقفين، أو ثقافة شعبية مثل الأفلام والرياضة والسياحة والغناء.
- الثانية: قيمها السياسية عندما يُطمح إليها في الداخل والخارج.
- الثالثة: سياساتها الخارجية عندما يرى الآخرون أنها شرعية ولها سلطة معنوية.
تطبيقات القوة الناعمة وتحدياتها
في عام 2012، أوضح ناي أنه في ظل القوة الناعمة، «أفضل دعاية ليست دعاية بالمعنى الحرفي»، إذ يمكن دمج أفكار وقيم النموذج الأمريكي بدلاً من الصراحة المباشرة. يقول ناي: «إذا استطاعت دولة ما أن تجعل قوتها تبدو شرعية للآخرين، فستواجه مقاومة أقل لرغباتها.. وإذا كانت ثقافتها وأيديولوجيتها جذابة، فسيتبعها الآخرون طواعيةً». أساس القوة الناعمة الأمريكية، وفقاً لني، هو السياسات الديمقراطية الليبرالية، واقتصاد السوق الحر، والقيم الأساسية كحقوق الإنسان.
على مدى عقدين من بداية أطروحة ناي، دارت الشؤون الدولية قريباً من توقعاته، إذ قادت أمريكا حملةً لإنشاء وتوسيع مؤسسات دولية تدعم نظامها العالمي الجديد، مثل منظمة التجارة العالمية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي. كما وسّعت نظام تحالفاتها، جاذبةً إليها خصومها السابقين؛ ولعب الاتحاد الأوروبي دورًا داعمًا لها، وهيمن النموذج الأمريكي (والغربي عمومًا) للديمقراطية الليبرالية على العالم.
لكن البروفيسور إريك شي لي من جامعة شنغهاي يرى أن الأمر لم يكن كذلك، قائلاً: «بدا وكأن القرن الحادي والعشرين سيكون ملكًا للولايات المتحدة والغرب وإمبراطوريتهما للقوة الناعمة العالمية، لكن الأمر لم يكن كذلك». لقد ارتُكبت أخطاء جسيمة، حيث لم تُحقق الثورة الاقتصادية النيوليبرالية القوة أو الازدهار أو الحكم الرشيد، بل أدت كما يرى عالم الاجتماع الألماني فولفغانغ ستريك، إلى «تزايد الديون، وتفاقم عدم المساواة، ونمو غير مستقر.. إلى أزمة في الحكم السياسي والاقتصادي».
التحديات الحالية ومستقبل القوة الناعمة
برزت أزمات داخلية، أدت إلى صعود أغلبية حاكمة معادية لليبرالية في بلدان مثل النمسا والتشيك والمجر وإيطاليا وبولندا، وحتى الولايات المتحدة نفسها. علاوة على ذلك، أغفلت أطروحة ناي النموذج الصيني، الذي حقق نجاحًا باهرًا في تحدي النموذج الغربي. يقول إريك لي: «القوة الناعمة في الواقع هشة للغاية وقابلة للتحول بسهولة.. والآن، باتت القوة الصلبة حاضرة في كل مكان.. حروبٌ شرسة، وحروبٌ تجارية، وتدميرٌ لمنظمة التجارة العالمية، واستخدامٌ للقوانين المحلية لمعاقبة الشركات الأجنبية؛ والقائمة تطول».
فهل تراجعت القوة الناعمة؟ لا تزال تحظى باهتمام كبير من أغلب الدول، بما في ذلك كافة القوى العظمى، إذ يُعلن قادة أمريكا والصين وروسيا باستمرار عن ضرورة تعزيز قوتهم الناعمة وزيادة الإنفاق عليها، وتشتدّ المنافسة بينهم في هذا المجال. إلا أن تأثير القوة الناعمة انخفض بشكل ملحوظ لصالح القوة الصلبة، ولا يبدو أن هذا الوضع سيتغير في المستقبل القريب. المأمول أن تلعب القوة الناعمة دورًا أكبر في المستقبل، كما يؤكد البروفسور جوزف ناي: «القوة الناعمة هي القدرة على الحصول على ما تريد عن طريق الجاذبية بدلاً من الإرغام أو دفع الأموال.. استثمر في القوة الناعمة، فعندما تكون جذاباً، فإنك تستطيع التوفير الاقتصادي عبر العصا والجزرة».
