جنيف بين حربين: ثمن الصورة السياسية في صراعات الشرق الأوسط
في مشهدين تاريخيين منفصلين في جنيف، تبرز قصة متكررة عن كيف يمكن لهاجس الصورة السياسية أن يدفع بالمنطقة إلى حافة الحرب، مع عواقب وخيمة على الشرق الأوسط والعالم.
مفاوضات 1991: اللحظة الأخيرة قبل العاصفة
في 9 يناير 1991، اجتمع وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر مع نظيره العراقي طارق عزيز في فندق إنتركونتيننتال بجنيف، وسط توتر عالمي حاد. كان العالم يراقب بقلق، مع اقتراب مهلة انسحاب العراق من الكويت التي فرضها مجلس الأمن. على الرغم من الضغوط الدولية، رفض عزيز نقل رسالة واضحة من الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب إلى صدام حسين، مفضلاً التشبث بموقف متصلب.
بعد سبع ساعات من المفاوضات العقيمة، انتهى اللقاء بالفشل، مما مهد الطريق لحرب تحرير الكويت بعد ثمانية أيام فقط. مصادر مقربة من النظام العراقي آنذاك تشير إلى أن عزيز، على الرغم من إدراكه للمخاطر، لم يستطع إقناع صدام بالمرونة، خوفاً من اتهامه بالخيانة أو التفريط.
مفاوضات 2026: تكرار التاريخ بأدوار جديدة
في 26 فبراير 2026، عادت جنيف لشهد مشهداً مشابهاً في القنصلية العمانية، حيث جلس الوزير الإيراني عباس عراقجي مقابل المفاوضين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. في ظل تصاعد التوترات بعد ضربات أمريكية سابقة على المنشآت النووية الإيرانية، كان الأمل معقوداً على أن يظهر عراقجي مرونة لتجنب الحرب.
لكن المفاوض الإيراني، كما يروي ويتكوف، لم يظهر حسن نية وتباهى بقوة بلاده، بل لجأ حتى إلى الصراخ. فشل اللقاء، وأطلقت بعد يومين حرب أمريكية إسرائيلية على إيران، مما أدى إلى خسائر فادحة في الجانب الإيراني، بما في ذلك فقدان المرشد علي خامنئي وقادة آخرين.
هاجس الصورة: العامل المشترك في كلا الحالتين
على الرغم من الاختلافات الجوهرية بين النظامين العراقي والإيراني، يبرز عامل مشترك: هاجس الصورة السياسية. في الحالة العراقية، خشي صدام حسين من أن يظهر في التاريخ كمن انحنى أمام شروط "الشيطان الأكبر"، مما دفعه إلى التمسك بموقف متصلب كلف العراق ثمناً باهظاً.
أما في الحالة الإيرانية، فقد رفض المرشد خامنئي التنازل عن الحلم النووي أو مناقشة الترسانة الصاروخية، خوفاً من أن تلحق الضرر بصورته وصورة النظام. هذا الهاجس، كما يشير التحليل، لعب دوراً محورياً في اندلاع الحرب، مع شعور القادة الأمريكيين بأن إيران تحاول استنزاف صورة "أميركا العظيمة".
تأثيرات الحرب واستشراف المستقبل
الحرب المستمرة تطرح أسئلة مصيرية حول مستقبل المنطقة. كيف ستتعامل إيران الجريحة مع صورتها بعد خسائرها الكبيرة؟ وهل ستدفعها هذه الصورة إلى السعي للحصول على القنبلة النووية كملاذ أخير؟ كما تبرز تساؤلات حول دور إسرائيل ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، الذي نجح في تجنيب بلاده مواجهة منفردة مع إيران، لكن صورته قد تتأثر بقرارات أمريكية لاحقة.
الشرق الأوسط، بشرايين الطاقة الحيوية للعالم، يدفع ثمن هذه الصراعات، مع صور القاذفات والصواريخ التي تهدد الاستقرار العالمي. عند إعلان وقف النار، سيسعى كل طرف لادعاء النصر، لكن الخسائر ستكون متراكمة، في دورة مأساوية تعكس طبيعة المنطقة المعقدة.
في النهاية، يبقى السؤال: إلى متى يمكن للشرق الأوسط تحمل ثمن الصورة السياسية، بينما يعالج اللاعبون خسائرهم بمضاعفتها؟ إنها قصة رهيبة تتكرر، مع دروس لم تستوعب بعد.
