الكويت وجماعة الإخوان: اختبار الولاء في مواجهة العدوان الإيراني على الخليج
الكويت والإخوان: اختبار الولاء في أزمة العدوان الإيراني

الكويت وجماعة الإخوان: اختبار الولاء في مواجهة العدوان الإيراني على الخليج

في الأزمات الكبرى، تتكشف المواقف الحقيقية، وتُختبر صدقية الخطاب السياسي بعيداً عن الشعارات البراقة. فالعدوان الإيراني على الكويت ودول مجلس التعاون الخليجي لم يكن حدثاً عابراً يمكن التريث في توصيفه، أو تأجيل إدانته، بل اعتداءً مباشراً على سيادة الدول واستقرار المنطقة بأكملها.

تأخر البيان وفتح باب الأسئلة

مع ذلك، انتظرت جماعة الإخوان المسلمين، المعروفة باسم الحركة الدستورية في الكويت، تسعة أيام كاملة قبل إصدار بيان إدانة، جاء متأخراً في توقيته، ومحدوداً في مضمونه، متجاهلاً العدوان على بقية دول الخليج. هذا التأخير لا يمكن قراءته باعتباره تفصيلاً عابراً، بل يفتح باب الأسئلة حول طبيعة الموقف السياسي لتنظيم الإخوان في لحظة يفترض أن تكون فيها المواقف واضحة، لا تحتمل الرمادية.

ليست المواقف السياسية للجماعات العقائدية عابرة في لحظات الأزمات الوطنية، بل تتحول إلى اختبار صريح لمعادلة الولاء والانتماء بين الدولة والتنظيم. وفي الكويت، يعود اسم جماعة الإخوان المسلمين إلى الواجهة كلما واجهت البلاد تحدياً سيادياً، أو تهديداً إقليمياً، كما يحدث اليوم مع العدوان الإيراني على دول مجلس التعاون الخليجي.

الذاكرة السياسية وتجارب الماضي

المواقف الرمادية، أو المتأخرة، لا تُقرأ بمعزل عن الذاكرة السياسية للكويت والمنطقة الخليجية، ولا عن صفحات الغزو العراقي عام 1990، حين برزت أسئلة مشابهة – إن لم تكن متماثلة – حول موقف التنظيمات الإسلامية المسيسّة من قضايا الدولة الوطنية. في لحظات الخطر الكبرى، لا تُقاس المواقف بطول البيانات، ولا ببلاغة العبارات، بل بوضوح الانحياز إلى الدولة الوطنية وسيادتها.

فالكويت، التي واجهت الغزو العراقي بدعم خليجي في الماضي، وتواجه اليوم مع أشقائها في دول الخليج عدواناً إيرانياً مباشراً، لا يمكنها القبول برمادية المواقف ولا ازدواجية الولاءات. إن الذاكرة الوطنية ليست قصيرة، وتجارب الماضي لا تُمحى ببيانات متأخرة، أو مواقف ملتبسة.

مستقبل العلاقة بين الدولة والتنظيمات

ولذلك فإن السؤال المطروح اليوم لا يتعلق ببيان صدر، أو موقف تأخر، بل بمستقبل العلاقة بين الدولة الوطنية والتنظيمات التي تتجاوز حدودها. ستبقى الكويت دولة راسخة في سيادتها، متماسكة في جبهتها الداخلية، لا تسمح لأي تنظيم – مهما كانت شعاراته – أن يضع مصالحه فوق مصالح الوطن.

في مثل هذه اللحظات الفاصلة، يتضح الفرق بين من يقف مع الدولة بوضوح، ومن يختبئ خلف ضبابية المواقف، وانتظار مآلات الأحداث. إن السؤال حول موقف الإخوان في الكويت لا يتوقف عند بيان متأخر، أو موقف مائع من العدوان على الكويت ودول الخليج أيضاً، بل يتصل بمسألة أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين الدولة الوطنية وتنظيمات الإسلام السياسي العابرة للحدود.

التجربة التاريخية والتحولات الإقليمية

فالتجربة التاريخية، منذ الغزو العراقي للكويت، وحتى لحظة العدوان الإيراني على دول الخليج اليوم، كشفت أن التنظيمات الأيديولوجية غالباً ما تنظر إلى الأزمات الكبرى بعيون التنظيم ومصالحه، لا بعيون الدولة وحدودها السيادية. وإذا استمرت هذه الازدواجية في المواقف، فإن مآلات حركة الإخوان في الكويت والمنطقة، لن تكون معزولة عن التحولات الدولية والإقليمية المتسارعة.

فالعالم يتجه تدريجياً إلى إعادة تعريف العلاقة مع التنظيمات الأيديولوجية، مثل الإخوان، وتزداد الضغوط القانونية والسياسية على شبكاتها ومؤسساتها، في وقت تتعزز فيه فكرة الدولة الوطنية، بوصفها المرجعية السياسية الوحيدة للولاء السياسي.

السؤال الحاسم للمستقبل

ولذلك فإن مستقبل الإخوان في الكويت لن يتحدد فقط ببياناتهم، أو خطابهم الإعلامي، بل بقدرتهم على حسم موقعهم النهائي: هل هم جزء من الدولة الوطنية، ومصالحها وسيادتها، أم امتداد لتنظيم دولي تتقدم حساباته على حسابات الدولة؟ ذلك هو السؤال الذي سيفرض نفسه في المرحلة المقبلة، ليس على الإخوان وحدهم، بل على مجمل المشهد السياسي في المنطقة.

هل يراهن الإخوان المسلمون على ضعف الذاكرة الكويتية، ليعيدوا اليوم تصدير مزاعم وأقوال عن مواقفهم، ومواقف حركة حماس إبان الغزو العراقي للكويت؟ لقد حاولت قيادات الحركة الدستورية، وفي مقدمتها الأخ مبارك الدويلة، بعد أكثر من عشرين عاماً إعادة صياغة تلك المرحلة، وتقديم روايات جديدة نيابة عن التنظيم، غير أن الوقائع والحقائق، التي وثقتها الأحداث، لا تسند تلك المزاعم.

وإذا كان لدى جماعة الإخوان رواية مختلفة عما استقر في الذاكرة الوطنية، فإن الطريق الأمثل ليس إطلاق التصريحات المتأخرة، بل تقديم الأدلة الواضحة على ما يقال، لا سيما ما يتعلق بـمؤتمر جدة الشعبي، ومواقف التنظيم الدولي من الغزو العراقي. فالقضايا الوطنية الكبرى لا تُحسم بالروايات المتأخرة، أو البيانات المائعة، بل بالوثائق والوقائع التي صمدت أمام اختبار الزمن.