أوروبا تطلق سياسة ردع استباقي نووي جديدة في ظل تصدع العلاقات عبر الأطلسي
هل أصبح التقارب الأوروبي على المستوى العسكري، وخاصة في المجال النووي، حقيقة واقعة مع اتساع هوة الخلافات بين جانبي المحيط الأطلسي؟ هذا السؤال يطفو على السطح بقوة في ضوء التطورات الأخيرة التي قد تهدد فعلياً مستقبل حلف الناتو، حيث تتصدر فرنسا المشهد الأوروبي القلق في هذه الأيام الحاسمة.
إعلان تاريخي من فرنسا
في الثاني من مارس 2026، ألقى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كلمة في قاعدة "لونغ إيل" للغواصات النووية، معلناً عن سياسة جديدة للردع الاستباقي تمتد عبر القارة الأوروبية. أكد ماكرون أن فرنسا تحتفظ بالمسؤولية الكاملة عن أي قرار باستخدام ترسانتها النووية، في خطوة تذكر برؤية الرئيس شارل ديغول الذي حافظ على استقلالية الردع النووي الفرنسي خارج إطار الناتو.
خلفية المبادرة الفرنسية
تعود فكرة المظلة النووية الأوروبية إلى تسعينيات القرن الماضي، لكنها اكتسبت زخماً جديداً مع المخاوف المتزايدة من انسحاب الولايات المتحدة من الالتزامات الأطلسية، خاصة في عهد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الذي فضل تفعيل مبدأ مونرو. منذ بدايات عام 2025، سعت فرنسا جاهدة لاستكشاف سبل توسيع قوة الردع النووية الفرنسية لحماية أعضاء الناتو في أوروبا، بالتعاون مع ألمانيا وشركاء آخرين.
دوافع التحرك الأوروبي
لم يخفِ ماكرون مخاوفه من مواجهة زحف بري روسي محتمل دون دعم أمريكي واضح، وهو ما دفع به لطرح فكرة تأسيس قوة مسلحة أوروبية قبل سنوات. عززت العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا منذ فبراير 2022 مصداقية هذه الرؤية، حيث باتت أوروبا تشعر بضرورة تعزيز دفاعاتها الذاتية.
التعاون الفرنسي الألماني
في تطور ملحوظ، وافقت ألمانيا، التي كانت تقاوم سابقاً فكرة المظلة النووية الأوروبية بسبب تمسكها بالشراكة الأطلسية التقليدية، على توسيع نطاق الردع النووي الفرنسي. صرح المستشار الألماني فريدريش ميرتس بأن زمن "الباكس أميركانا" أو السلام الأمريكي قد ولّى، مما يعكس تحولاً جذرياً في الموقف الألماني مقارنة بعهد هلموت كول.
اتفاقية نورثوود والأساس الجديد
يبدو أن الاتفاقية الموقعة بين فرنسا والمملكة المتحدة في يوليو الماضي، والمعروفة بـ"إعلان نورثوود"، تشكل أساساً لرؤية نووية أوروبية جديدة. تم التوصل إلى اتفاق بين باريس وبرلين بشأن توسيع الردع النووي الفرنسي، بشرط أن يكون مكملاً للردع النووي الأمريكي وليس بديلاً عنه، وأن يُطبق بالتساوي على جميع الدول الأوروبية الأعضاء في الناتو.
ردود الفعل الأوروبية والدولية
حظيت الرؤية الفرنسية الألمانية باهتمام دول أوروبية مثل بولندا، التي تتعمق شراكتها مع واشنطن، مما قد يثير مخاوف موسكو. من ناحية أخرى، وافقت دول مثل السويد وهولندا وبلجيكا والدنمارك واليونان على التفاهمات النووية، مما يعكس طمأنة متزايدة في أوساط الدول الأوروبية التي تخشى تصاعد التوترات العسكرية العالمية.
التحديات المستقبلية
تسير خطوات الاتفاق بسرعة قبل الانتخابات الرئاسية الفرنسية في أبريل المقبل، مع مخاوف من فوز حزب التجمع الوطني اليميني الشعبوي المعارض لمشاركة فرنسا في قدراتها النووية الرادعة. تبدو فرنسا مستعدة لنشر مقاتلات "رافال" النووية في الدول الأوروبية الشريكة وإقامة تعاون جديد في التخطيط النووي.
خلاصة الموقف الجيوسياسي
بقبول ألمانيا للمبادرة الفرنسية، يتم قطع الطريق على هواجس الماضي ومخاوف دول مثل بولندا من عودة ألمانيا كقوة عسكرية مهيمنة. تتعامل الجيوسياسة الأوروبية عبر منطق المصالح لا العواطف، متطلعة إلى المستقبل دون إنكار للماضي، في مشهد يعيد تشكيل التحالفات الدفاعية في القارة.
