عزلة جغرافية وحرب بلا حلفاء: كيف تدفع إيران ثمن تجاهل دروس كيسنجر في السياسة الدولية؟
عزلة إيران وحرب بلا حلفاء: دروس كيسنجر في السياسة الدولية

عزلة جغرافية وحرب بلا حلفاء: كيف تدفع إيران ثمن تجاهل دروس كيسنجر في السياسة الدولية؟

في كتاباته عن السياسة الدولية، كان هنري كيسنجر يكرر فكرة مركزية مفادها أن الجغرافيا ليست مجرد خطوط على الخريطة، بل هي قوة خفية تصنع مصائر الدول. الدولة التي تحسن قراءة موقعها الجغرافي تستطيع تحويله إلى شبكة أمان وتحالفات، بينما الدولة التي تتجاهل تلك الحقيقة قد تجد نفسها معزولة حتى وهي محاطة بالجيران. هذه الفكرة التي تناولها كيسنجر بوضوح في كتابه «الدبلوماسية»، تبدو اليوم مفتاحاً لفهم أخطر التحولات في الشرق الأوسط، خاصة فيما يتعلق بسياسة إيران الخارجية.

السؤال المحوري: كيف تقع إيران في فخ العزلة الجغرافية؟

يتساءل المحللون اليوم: كيف يمكن لدولة كبيرة مثل إيران، وهي واحدة من أعرق الحضارات في التاريخ، أن تقع في فخ مغامرة ثقيلة الثمن على بلدٍ يحمل هذا الإرث من الحكمة؟ في نظر كيسنجر، لا تقوم السياسة الدولية على القوة العسكرية وحدها، بل على توازن القوى والتحالفات والجغرافيا السياسية. الدولة التي تحسن إدارة هذه العناصر تستطيع خوض الأزمات بأقل خسائر، أما الدولة التي تزيد من خصومها، فتدخل فيما يسمى «حرب العزلة».

العزلة الجغرافية ليست مجرد خلفية للصراع، بل أحد محدداته الكبرى. فالدول التي تحيط بها شبكة علاقات مستقرة تستطيع تحويل موقعها الجغرافي إلى درع سياسية، لكن ما وقعت به طهران اليوم هو العكس. فقد عزلت نفسها عن محيطها الذي تجمعها به علاقات تاريخية واقتصادية ودينية، فحولتها من دول جوار داعمة للسلام الذي هو في مصلحة المنطقة كلها إلى خصوم لا تتوانى عن الهجوم عليها، ما أفقدها التعاطف الإقليمي وزاد في عزلتها.

كيسنجر وتحذيراته: عندما تتحول علاقات الجوار إلى صراع

وهذا ما أشار إليه كيسنجر بقوله: «عندما تتحول علاقات الجوار إلى صراع وتوتر دائم، فإن مساحة العزلة تتسع، وفي هذه الحالة تصبح الدولة محاطة بدول قلقة أو معادية ما يضيّق الهامش السياسي، ويجعل أي حرب تخوضها أكثر خطورة». في المقابل، إيران تخوض حربها بلا حلفاء فعليين، حيث أن روسيا والصين، رغم تعاونهما العسكري معها، ترفضان الدخول في حرب مباشرة إلى جانبها.

  • روسيا: على الرغم من اتفاقيات التعاون العسكري واستخدام القواعد الإيرانية، إلا أنها لم تتدخل في حرب إيران بسبب انشغالها بحرب أوكرانيا وخوفها من تهديد مصالحها التجارية مع أمريكا.
  • الصين: رغم اتفاقية الشراكة لمدة 25 عاماً التي تشمل التعاون الأمني والعسكري، إلا أنها ترفض الدخول في حرب ضد أمريكا لأن اقتصادها يعتمد على شبكة تجارية هائلة معها ومع دول الخليج.

هنا تأتي الحقيقة الواضحة: الدول الكبرى لا تدخل حرباً من أجل دولة أخرى إلا إذا كانت مصالحها الحيوية مهددة مباشرة. صحيح أن إيران تعتمد على مخزونها من الأسلحة والصواريخ، لكن في التفكير الاستراتيجي، الحليف قد يكون أحياناً أهم من السلاح نفسه.

درس تاريخي: اليابان 1941 والعزلة المدمرة

درس كيسنجر القديم هو الذي لم تقرأه طهران جيداً: «الدولة التي توسّع دائرة خصومها وتقلّص دائرة أصدقائها تكون قد أضعفت موقفها الاستراتيجي، حتى لو امتلكت أكبر قوة عسكرية». فالحرب ليست ساحة قتال فقط، بل شبكة معقدة من التوازنات والتحالفات. ومن عبر التاريخ، نذكر اليابان في عام 1941، التي كانت حضارة عريقة وقوة صاعدة، لكنها قررت القتال وحدها، معتقدة أن ضربة قوية في بيرل هاربر قد تفرض انتصارها، وكانت النتيجة خسارة مدمرة.

«اللحظة الأخيرة» لأي دولة ليست حين تكون ضعيفة، بل حين تعتقد أنها قادرة على تحمل حرب أكبر مما تسمح به الجغرافيا والتحالفات. كرر كيسنجر: «الدولة الحكيمة تحاول دائماً أن تتجنب أن تجد نفسها في مواجهة تحالف واسع وهي في عزلة جغرافية وبلا حلفاء».

كاتبة وباحثة في الدراسات الإعلامية.