تشبيه إيران بفيتنام: قراءة غير دقيقة تتجاهل الفروق الجوهرية
تصاعدت أعمدة الدخان بعد ضربة جوية على العاصمة الإيرانية طهران، مما أثار نقاشات حادة حول طبيعة الصراع الإيراني-الأمريكي. في هذا السياق، يبرز تشبيه إيران بفيتنام في مواجهة أميركا كقراءة غير دقيقة، تتجاهل الفروق الجوهرية في طبيعة القيادة الشعبية والسياق التاريخي والسياسي.
القيادة الشعبية: هوشي منه مقابل خامنئي
عند خوض النقاش في أي موضوع سياسي أو فكري، يعتمد الأمر على وجود محاورين جيدين لإغنائه. لكن عندما تصادف من يتمسك برأي مقدس ويرفض الآخر، فكأنك أمام جهاز مذياع لا تستطيع سوى الاستماع. على طول التاريخ، كانت الأنظمة الدكتاتورية والحكام المستبدون أساساً لصنع نماذج فكرية ذات اتجاه واحد، حيث مهمتهم الدفاع باستماتة عن طروحات محددة دون حق الخروج عنها.
قبل وأثناء وبعد الحرب الحالية المشتعلة في المنطقة، ظهرت في الوسائل الإعلامية العربية العديد من الكتاب والمحللين السياسيين الذين أدلوا بآرائهم بشأن الخلاف الإيراني-الأمريكي. كان هناك عدد محدود يتسم بالموضوعية والدقة، بينما كان عدد أكبر يسوق لآراء مسبقة، خاصة تلك المقدمة من بلدين عربيين، انطلق أحدهما من اعتبارات حزبية ضحلة والآخر من توجس مما ستؤول إليه المنطقة بعد سقوط النظام الإيراني.
الواقع الفيتنامي مقابل الواقع الإيراني
في هذا السياق، فإن تشبيه إيران بفيتنام، بمعنى أن أميركا قد تورطت مع إيران كما تورطت مع فيتنام وستخرج مهزومة، هو تشبيه غير دقيق ويتناقض مع الواقع. الواقع الفيتنامي وما مر به خلال مواجهة الاحتلال الفرنسي ثم الأمريكي ليس كالواقع الإيراني، خاصة من حيث الزعامة الثورية. هوشي منه قاد الشعب الفيتنامي بحماس منقطع النظير، بينما يقف أكثرية الشعب الإيراني موقفاً سلبياً من النظام وخامنئي، الذي دفع بالأمور إلى المواجهة مع إسرائيل وأميركا.
مقارنة شعبية هوشي منه بين الفيتناميين في ذلك التاريخ بشعبية خامنئي بين الإيرانيين قبل وأثناء وبعد الحرب تظهر فرقاً شاسعاً، أشبه بالفرق بين قاسم سليماني وجيفارا، حيث قام بعض الكتاب العرب بتشبيه الأول بالثاني أيضاً.
أسباب الحرب الحالية في المنطقة
هناك حقيقة مهمة بخصوص الحرب المندلعة حالياً في المنطقة: السبب الذي قاد الولايات المتحدة للحرب هو مصالحها وصراعها الاقتصادي المرير مع الصين، خاصة بعد التعملق الاقتصادي للأخيرة بسبب توفر مصادر طاقة رخيصة من فنزويلا وإيران. أما إسرائيل، فقادها العامل الأمني والخوف من المستقبل إذا بقيت إيران مصدراً لخلط الأوراق. إيران، من جانبها، صنعت أفضل الأجواء لاندلاع الحرب بسبب تمسكها بنهجها الفكري-السياسي، وليس على أساس المصالح العليا للشعب الإيراني، أي أن خوضها الحرب من أجل نهج ولاية الفقيه المتزعزع وليس من أجل أي شيء آخر.
باختصار، تشبيه إيران بفيتنام يغفل التعقيدات السياسية والاجتماعية الفريدة لكل حالة، مما يجعل من الضروري تحليل الصراعات بناءً على وقائعها الخاصة بدلاً من الاعتماد على مقارنات سطحية.
