تحليل: هل يدفع النظام الإيراني ثمن سياساته الفاشلة في مواجهة الهجوم الأمريكي الإسرائيلي؟
النظام الإيراني وثمن السياسات الفاشلة أمام الهجوم الأمريكي الإسرائيلي

النظام الإيراني أمام مفترق طرق مصيري

يخطئ النظام الإيراني بشكل جسيم إذا ما تصور أن إطالة أمد الحرب الحالية تأتي لصالحه، أو إذا اعتقد أن بإمكانه إفشال الهجوم الأمريكي الإسرائيلي الشرس الذي لا يرحم. التقديرات الإيرانية التي تفترض أن الثنائي الأمريكي الإسرائيلي سيتعب من الحرب بغض النظر عن تعقيداتها هي تقديرات خاطئة تنم عن فهم غير واقعي لميزان القوى الحالي.

عدم التكافؤ العسكري والوهم الدفاعي

لا يوجد أي تكافؤ في القوة العسكرية بين إيران من جهة والتحالف الأمريكي الإسرائيلي من جهة أخرى، حتى وإن ادعت طهران قدرتها على المواجهة بصمود وثبات. النظام الإيراني يصور نفسه كطرف يدافع عن نفسه أمام عدو معتدٍ، ويصر على أنه لا خيار أمامه سوى مواصلة القتال، متجاهلاً تماماً الخسائر الجسيمة التي تتكبدها البلاد على المستوى البشري والاقتصادي والأمني.

من الواضح أن إيران في حالة دفاع أمام حرب ضروس لم تكن هي من بدأها، وقد أسفر اليوم الأول من المواجهات عن دمار شامل ومقتل أكثر من أربعين عسكرياً ومدنياً من قادة النظام الكبار، بما فيهم المرشد الأعلى خامئني نفسه. هنا يبرز سؤال محوري: أما كان بإمكان إيران منع هذه الحرب لو تخلت عن برنامجها النووي وتجاوبت مع الرغبة الدولية؟

المستفيدون الحقيقيون من الصراع

تعتبر إسرائيل المستفيد الأول من هذه الحرب، فهي التي ضغطت على الولايات المتحدة الأمريكية للقيام بها، وهي التي مهدت الطريق لضرب إيران من خلال إضعاف وكلائها من الميليشيات في بعض الدول العربية، بل ومن خلال حربها الأولى على إيران نفسها في العام الماضي. ستكون إيران الضحية الأخيرة والأهم لدى كل من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية بعد أن تم تقليم أظافرها وتقليص نفوذها في المنطقة بشكل كبير.

إذا فكرت طهران بأنها ستخرج منتصرة من هذه الحرب على جثث الآلاف من قتلاها، وتدمير معظم منشآتها العسكرية والاقتصادية، فهي بذلك تبيع الوهم للشعب الإيراني وتحاول إبعاده عن الحقائق المرة وإخفاء أسرار مستقبلها الغامض عنه.

الخيارات المحدودة والمصلحة الوطنية

لمصلحة إيران الحقيقية أن تقبل بالموافقة على إنهاء مشروعها النووي ولو على مضض، وأن تتوقف عن إنتاج وامتلاك الصواريخ الباليستية، وأن تقبل بعدم تمويل أذرعتها في المنطقة بما يضر بمصالح الدول المجاورة أو يجعلها في حالة من عدم الاستقرار الدائم. لا مصلحة لإيران بعد سبعة وأربعين عاماً من السياسات الفاشلة التي تأكد لها أنها أكثر المتضررين منها أن تواصل نفس النهج الخاطئ.

نعلم جميعاً أن الاستسلام والقبول بالشروط الأمريكية له مرارته، ولكن كما قال الخميني ذات مرة بأن موافقته على إيقاف الحرب مع العراق حين امتدت إلى ثماني سنوات كانت كمن يتجرع السم، لكن لم يكن أمامه خيار آخر. لقد فشل الخميني في تحقيق انتصار كان مستحيلاً في ذلك الوقت، وما على إيران الآن إلا أن تتجرع السم كما فعل سلفها.

الدروس التاريخية والصداقات المتغيرة

اليوم يتكرر المشهد ذاته، وتعود بنا الذاكرة إلى مواقف إيرانية سابقة كانت مؤثرة ومدوية. فقد ساعد النظام الإيراني أمريكا في القضاء على نظام صدام حسين، وتعاون مع واشنطن على تأسيس النظام الجديد القائم حالياً في العراق. لكن الصداقات المشوبة بالشك والأجندات المختلفة والنوايا غير الحسنة لا تدوم طويلاً.

هناك مصالح تتقاطع بين الدول، وتوجهات متباينة بينها، وهذا بالضبط ما حدث بين واشنطن وطهران. كان هناك تفاهم مع نظام الخميني على إسقاط الشاه، ثم مع خامئني على إسقاط صدام حسين، والآن جاء الدور لإسقاط نظام الملالي نفسه.

الهروب من الواقع والمعاناة المستمرة

يمثل الهجوم الإيراني على المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي والدول الأخرى حالة يأس واستسلام إيراني مبكر وهروباً من الواقع المرير. هذا النهج لا يزيد إلا من معاناة الشعب الإيراني على مدى العقود القادمة، ولا حل أمام إيران في ظل وضعها الحالي أمام الضربات الأمريكية الإسرائيلية المتتالية إلا القبول بالشروط الأمريكية قبل فوات الأوان وحدوث دمار لا يمكن إصلاحه.

الواقع يشير إلى أن النظام الإيراني يقف عند مفترق طرق تاريخي: إما أن يستمر في سياساته الفاشلة التي تزيد من عزلته ومعاناة شعبه، أو أن يختار طريق المصالحة مع المجتمع الدولي وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مستقبل البلاد. القرار الآن بين يدي القادة في طهران، والشعب الإيراني هو من يدفع الثمن في كل الحالات.