الشرق الأوسط في مواجهة معادلة ثنائية معقدة: إيران وإسرائيل
نعيش في منطقة محكومة منذ عقود طويلة بصراعات مستمرة، تتبدل وجوهها وتتغير ملامحها، لكن قواعدها الأساسية تبقى ثابتة لا تتزحزح. قوة إقليمية تسعى إلى التوسع ونشر نفوذها، وأخرى ترفع شعار مواجهة هذا التمدد، بينما تقع الشعوب في المنتصف كضحية تدفع الثمن الغالي من دمائها ومستقبلها. هكذا كان الحال ولا يزال، فالشرق الأوسط عالق بين شرّين، لكل منهما مشروعه الخاص ورؤيته الإستراتيجية، ولكل منهما روايته التي يسوقها لتبرير أفعاله.
المشروع الإيراني: تصدير الفوضى ووهم النفوذ
الحديث عن المواجهة بين إسرائيل وإيران بوصفها صراعاً ثنائياً بحتاً هو حديث عن نصف الحقيقة فقط، بل أقل من ذلك. فالعرب لم يكونوا يوماً مجرد جمهور يتابع هذه المواجهة من بعيد، بل تحولوا إلى ساحة مباشرة للصراع. خلال أربعة عقود كاملة، تمدد المشروع الإيراني بشكل منهجي داخل أكثر من ساحة عربية، مستخدماً وكلاءه المخلصين وأسلحته المتطورة لنشر نفوذه.
هذه الوقائع ليست مجرد وجهة نظر سياسية قابلة للنقاش؛ إنها اعتداءات عايشتها دول عربية وعانت من مآسيها وفظائعها على أرض الواقع. صواريخ الحوثيين التي استهدفت المملكة العربية السعودية بشكل متكرر، وهيمنة حزب الله على القرار السياسي والاقتصادي في لبنان، والميليشيات المسلحة التي تحتل المشهد العراقي وتتحكم بمقدراته، والجرائم المروعة التي ارتكبت في سوريا تحت سمع العالم وبصره.
كل هذه الحلقات ليست أحداثاً منفصلة، بل هي جزء من مشروع واحد متكامل، قام على فكرة تصدير الفوضى وخلق وهم النفوذ الإقليمي، دون اكتراث بحقوق الشعوب أو سيادة الدول.
المشروع الإسرائيلي: القوة العسكرية والاحتلال المستمر
في المقابل، لا يمكن إنكار أو تجاهل أن إسرائيل تمثل هي الأخرى مشروعاً إقليمياً قائماً على القوة العسكرية والتفوق الأمني وفرض الاحتلال على الأراضي الفلسطينية والعربية. المنطقة خاضت معها حروباً طويلة ومتعددة، ولا يستطيع أحد تجاهل سجل الصراع العربي - الإسرائيلي الطويل، وما خلّفه من جروح عميقة مازالت مفتوحة حتى اليوم، تنتظر الحل العادل والشامل.
هنا تظهر المفارقة الكبيرة التي يعيشها الشرق الأوسط بكل تعقيداته. المعادلة المطروحة ليست صراعاً بين الخير والشر، كما يحب البعض تصويره وتقديمه، وإنما هي صراع ثنائي بين قوتين إقليميتين، كلتاهما تسعى لتثبيت نفوذها واختراق دول الجوار وتعزيز وجودها على حساب أمن واستقرار المنطقة.
المعضلة العربية: الوقوع بين المطرقة والسندان
المشكلة الحقيقية تكمن في أن بعض الأصوات تحاول دفع العالم العربي إلى معادلة مبسطة وخطيرة: إما الوقوف مع إيران لأنها تعلن عداءها العلني لإسرائيل، أو الاصطفاف مع المعسكر الآخر باعتباره الطريق الوحيد لوقف النفوذ الإيراني المتصاعد. لكن الواقع الإقليمي أكثر تعقيداً بكثير من هذه الثنائية الضيقة.
العالم العربي دفع ثمناً باهظاً للغاية عندما تحولت بعض دوله إلى ساحات صراع مفتوحة للميليشيات العابرة للحدود، كما دفع ثمناً مماثلاً في صراعاته الطويلة والمتكررة مع إسرائيل. لذلك فإن السؤال الحقيقي والجوهري ليس مع أي طرف نقف، بل كيف نحمي الدول العربية من أن تكون مرة أخرى ساحة لحروب الآخرين وصراعاتهم؟ كيف نحافظ على سيادة الدول واستقلال قرارها في مواجهة هذه المشاريع الخارجية؟
مفترق طرق حساس وإمكانية إعادة الترتيب
الشرق الأوسط يقف اليوم عند مفترق طرق حساس للغاية، حيث تراجع مشروع إقليمي أو انهياره لا يعني بالضرورة ولادة نظام إقليمي أكثر عدلاً واستقراراً، لكنه قد يفتح نافذة أمل لإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية بطريقة جديدة، تطمر الفوضى وتنهي ضجيج الميليشيات والمشاريع العابرة للحدود.
هذا يتطلب حكمة سياسية عالية، وإرادة عربية مشتركة، ورؤية استراتيجية واضحة، تحمي مصالح الشعوب العربية وتضمن أمنها وسيادتها في وجه التحديات الإقليمية المتزايدة.
