عقدان من الوهم: رحلة في تشويه التصورات السياسية والإعلامية
في عالم يتسم بالتعقيدات الجيوسياسية، يبرز الوهم كظاهرة قديمة متجددة، حيث يصفه البعض بأنه شاب يانع في العشرين من عمره، لكنه في الحقيقة قديم قدم الدهر نفسه. منذ أن بدأ أول سياسي في التاريخ بالتجارة مع رجل دين لبيع بضاعة الوهم، سارت الجموع وراءه بأعين مغممة، رغم قدرتها على الإبصار. هذه الظاهرة لم تكن محصورة في الماضي البعيد، بل تجلت بقوة في العقدين الأخيرين، خاصة منذ حرب 2006 التي افتعلها حزب الله، الذراع الإيرانية في لبنان، مع إسرائيل.
حرب 2006: البداية الحقيقية لتصدير الوهم
بدأت هذه المرحلة بعملية "الوعد الصادق"، التي كانت في جوهرها وعداً كاذباً، حيث خطف حزب الله جنديين إسرائيليين تحت ذريعة استعادة أسرى الحزب. لكن الهدف المبطَن كان أكثر عمقاً: تأكيد جثوم إيران على لبنان، خاصة بعد الضغط الدولي الذي أخرج نظام الأسد. في هذه المرحلة، انطلق تصدير الوهم على نطاق واسع، حيث تبنى المؤيدون لهذه الحرب شعار "عدو عدوي صديقي"، مما شمل جماعات الإسلام السياسي مثل الإخوان المسلمين، الذين وصفوا المقاومة في لبنان بأنها تدافع عن كرامة الأمة.
لم يقتصر هذا الوهم على الإسلامويين، بل امتد ليشمل مثقفين من اليسار، ذهبوا إلى حد وصف حزب الله بأنه وريث حركات التحرر الوطني في فيتنام وكوبا. كما شمل ليبراليين في عدة دول، وحتى حركات قومية مسيحية، ولم يسلم من ذلك الشاعر أدونيس العلماني، المعروف بنقده للعقل الفقهي، حيث أيد سلاح الحزب لكنه عارض مشروعه الاجتماعي والديني.
الوهم في العصر الحالي: الهجمات الإيرانية والمواقف المتناقضة
اليوم، مع بداية الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، يتجلى الوهم بأشكال جديدة. إيران، التي هاجمت دولاً عربية بأضعاف ما هاجمت به إيرائيل، تستهدف غالباً أهدافاً مدنية، مما يكشف عن منهج عدواني واضح. رغم مواقف السعودية ودول الخليج التي حثت على منع الحرب ومنعت استخدام أراضيها وأجوائها، إلا أن المنظور الأعور لا يزال سائداً.
يظهر هذا في مواقف دول ومنظمات ومثقفين وإعلاميين، يرون بأعينهم اعتداء إسرائيل على إيران، لكنهم يتجاهلون اعتداء إيران على دول الخليج. هذا الموقف الكاشف يعكس فشل البراغماتية في إخفاء الحقائق، ويزيد عليه خلط عجين من الوهم، يحاول تصوير الهجمات على الدول الخليجية بأنها قادمة من طرف ثالث، مثل المسيّرات والصواريخ.
السرديات الإيرانية وخيارات محدودة
هذا الموقف يمثل تسويقاً للسردية الإيرانية، مما يخلق تعاطفاً معها، ثم يمعن في الإرهاب الفكري ليجعل الخيارات محصورة بين الوقوف مع إيران أو إسرائيل. لكن الحقيقة يجب أن تكون واضحة: موقف الإنسان يجب أن يكون راسخاً مع وطنه، وواضحاً نحو كل معتدٍ عليه، أياً كان. لا ينبغي أن يكون هناك أي لبس في هذا الشأن، فالولاء للوطن يتجاوز كل الخيارات المصطنعة.
نظرية والتر ليبمان: صناعة الوهم كظاهرة إدراكية
كما يشير والتر ليبمان، الأب الروحي لفكرة صناعة الوهم، في كتابه "الرأي العام"، إلى أن الإعلام والسياسيين يقومون بإنشاء "بيئة زئبقية" زائفة. هذه البيئة تمثل سيناريو من الصور المصممة لتكون بديلاً عن الواقع، مما يؤثر على الإدراك البشري ويشكل التصورات الخاطئة. في الشرق الأوسط، هذه الظاهرة تتجلى بقوة، حيث تستخدم السرديات السياسية والإعلامية لخلق أوهام تحرك الجماهير وتشكل الرأي العام.
في الختام، عقدان من الوهم يظهران كيف يمكن للحروب والإعلام أن يشكلا تصورات زائفة، تؤثر على مستقبل المنطقة. فهم هذه الآليات هو خطوة أولى نحو كسر حلقات الوهم وبناء وعي أكثر وضوحاً واستقلالية.
