إيران الثورة: مسار طويل من التدخلات وفقدان فرصة الدولة
منذ سقوط نظام الشاه في عام 1979، ووصول الخميني من منفاه الفرنسي، شهدت إيران تحولاً جذرياً من دولة إلى ثورة. استغل أنصار الخميني الثورة الشعبية الإيرانية، وركبوا موجتها، وسيطروا على بوصلتها، مما أدى إلى تحول إيران الدولة إلى إيران الثورة. هذا التحول أحيا الطائفية في المنطقة، واستدعى الأحلام الصفوية التوسعية، وعمل على تصدير الثورة إلى المحيط الإقليمي بأكمله.
تدخلات إيران في العالم العربي: تاريخ من الإجرام
من خلال اللعب بورقة محاربة إسرائيل، أسست إيران ما يسمى بمحور المقاومة، وذلك بتأسيس ميليشيات بأغطية أحزاب داخل بعض الدول العربية. كان الحلف الإيراني مع نظام الأسد في سوريا عاملاً رئيسياً في تمكين الإيرانيين من تأسيس حزب الله في لبنان عام 1982، ودعمه المستمر بالمال والسلاح بحجة مقاومة إسرائيل. هذا جعل الحزب دويلة داخل دولة، ومكنه من اختطاف القرار السياسي اللبناني.
كما مدت إيران جسور التواصل والدعم مع ما يسمى حركات المقاومة الفلسطينية من إسلامية ويسارية في الثمانينيات، وتأسيس فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني لإفشال أي حل عربي للقضية الفلسطينية. مع بداية الألفية الثالثة، دعمت إيران المعارضة العراقية الشيعية، التي جاءت من طهران على ظهر دبابة أمريكية، واستولت على السلطة في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، وشكلت قوات الحشد الشعبي ككيان موازٍ يتحكم بقرار الحكومة.
محاولات التوسع وفشل المخططات
بعد اندلاع ما يسمى بثورات الربيع العربي، حاولت إيران أن تجد لها موطئ قدم في مملكة البحرين عام 2011، لكن تدخل قوات درع الجزيرة بقيادة المملكة العربية السعودية أحبط مخططها. كما وقفت إيران الثورة مع نظام الأسد بكل ثقلها، وساهمت في ذبح الشعب السوري من عام 2012 حتى سقوط النظام في 2024، ودعمت جماعة الحوثي في اليمن حتى سيطرت على صنعاء عام 2014.
في هذا السياق، صرح علي رضا زاكاني، عمدة طهران، عندما كان برلمانياً، متباهياً بأن إيران أصبحت تسيطر على أربع عواصم عربية هي: صنعاء، ودمشق، وبيروت، وبغداد. هذه التدخلات الفعلية سببّت لدول عربية الخراب وتدمير البنى التحتية، وعدم الاستقرار، وتعطيل التنمية، وهي محفورة في الذاكرة العربية، والوجع العربي لا يزال قائماً، وشعور عدم الثقة تجاه إيران لا يزال حاضراً.
تفويت الفرصة التاريخية: من الثورة إلى الدولة
على الرغم من هذا التاريخ الطويل من الإجرام الإيراني، لا يعني ذلك أن العرب يفرحون أو يؤيدون الحرب ضد إيران، فالخاسر هو الشعب الإيراني والمحيط الإقليمي في حال اتساع رقعة الحرب. العرب، وبالذات دول الخليج، مع الاستقرار السياسي، والازدهار الاقتصادي، والسلم الاجتماعي، والتقدم التقني، والتنمية البشرية، فهذه هي معايير تقدم الشعوب ونهضة الأمم.
إلا أن إيران، التي لا تزال تتعامل بعقلية الثورة وليس منطق الدولة، فوتت الفرصة التاريخية باستعادة العلاقة الأخوية والصادقة مع جوارها العربي، وبالذات الخليجي، والبناء على هذه العلاقة. بدلاً من أن تجعل المواجهة محصورة بينها وبين إسرائيل في الحرب التي فرضت عليها، لتنال التأييد العربي والدعم الإسلامي، نجدها تستهدف الدول الخليجية، فتخسر على المستويين الرسمي والشعبي.
الهجمات الأخيرة وردود الفعل
في ردها على الهجوم المزدوج الذي شنته الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل صباح يوم السبت 28 فبراير، والذي نتج عنه قطع رأس النظام بمقتل علي الخامنئي المرشد العام للثورة، وعدد من كبار المسؤولين الإيرانيين مثل قائد الحرس الثوري، ووزير الدفاع، وقيادات الاستخبارات، لم تكتف إيران بضرب إسرائيل بالصواريخ والمسيرات. بل أرسلت صواريخها الإرهابية ومسيراتها الإجرامية إلى المناطق المدنية والحيوية في دول الخليج، مثل المطارات المدنية، والفنادق، والمنشآت النفطية، والمناطق السكنية.
بحجج واهية كوجود قواعد أمريكية في هذه الدول، أو أن بعضها لديه علاقات مع إسرائيل، وهذا تبرير سخيف وادعاء كاذب وتصرف جبان. هناك دول أخرى غير الدول الخليجية فيها قواعد أمريكية ولديها علاقات مع إسرائيل ولم تستهدف، لأن إيران بالأساس تدرك أن دول الخليج لا يمكن أن تفرط بمكتسباتها التنموية ومنجزاتها الحضارية التي بنتها خلال عقود طويلة.
الخيارات الصعبة والعقلية الثورية
لذلك، تستهدف إيران الدول الخليجية لتجعلها، من خلال هذه الهجمات، بين خيارين: إما أن تضغط على أمريكا وإسرائيل لوقف الحرب، أو أن تنجر إلى هذه الحرب المدمرة وتشارك بها، فتحدث الفوضى الشاملة التي لا ينجو منها أحد. هذا يؤكد أن إيران لم تستطع بعد أن تتخلص من عقلية الثورة الخمينية، ما جعلها تفوت فرصتها التاريخية بأن تكون واحدة من أهم دول المنطقة، بحسن الجوار، والتعاون الإقليمي، وحماية المنطقة وتجنيبها المغامرات الحمقاء.
تعزيز العلاقات مع الدول العربية، وبالذات الخليجية، التي لا تزال تتعامل مع هذه الحرب المجنونة بكل حنكة سياسية وضبط نفس رغم العدوان الإيراني المتكرر، يبقى أمراً حيوياً للمستقبل. إيران الثورة، بعقليتها المتصلبة، تخسر فرصة ذهبية لاستعادة دورها كدولة مسؤولة في المنطقة، بدلاً من أن تظل سجينة ماضيها الثوري.
