العقيدة الحربية الأميركية الجديدة: تداعيات عميقة على لبنان وحزب الله في ظل التحول الاستراتيجي
العقيدة الأميركية الجديدة وتأثيرها على لبنان وحزب الله

العقيدة الحربية الأميركية الجديدة: تحول جذري في الشرق الأوسط

ما يحدث في واشنطن حالياً، خلال الهجوم المشترك على إيران بالتنسيق مع تل أبيب، لا يمثل مجرد تغيير في الخطاب السياسي، بل يشير إلى تحول عميق في العقيدة الاستراتيجية التي حكمت منطقة الشرق الأوسط لعقود طويلة. عندما تتغير هذه العقيدة الأمريكية، فإن آثارها لا تبقى مجرد نظريات أو أمور بعيدة، بل تتحول بسرعة إلى وقائع سياسية وعسكرية ملموسة على الأرض.

نهاية عصر إدارة الصراعات وبدء مرحلة الحسم

في ضوء التصريحات الأخيرة الصادرة عن وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث، يبدو أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة مختلفة تماماً، حيث لم تعد السياسة تقوم على إدارة الصراعات، بل على حسمها بشكل نهائي. قال هيغسيث بوضوح: "لقد انتهى زمن الاعتذارات الأمريكية. نحن لسنا هنا لإدارة الصراعات، بل لمساعدة حلفائنا على تحقيق الانتصار". هذه الجملة وحدها تلخص الفارق الكبير بين المرحلة السابقة والمرحلة الجديدة التي تتشكل اليوم.

لعدة سنوات، اعتمدت الولايات المتحدة سياسة تركز على احتواء الأزمات ومنع انفجارها، حيث كانت تضغط باستمرار على حلفائها، بما في ذلك إسرائيل، لضبط النفس وتجنب التصعيد. لكن الخطاب الجديد يعلن نهاية هذه المرحلة بشكل واضح. وفقاً لهيغسيث: "هدفنا ليس السلام الصناعي، بل تحقيق نصر ساحق على محور الشر. السلام يتحقق بالقوة، وليس بالأوراق والعقود مع الإرهابيين". هذا ليس مجرد خطاب سياسي، بل إعلان صريح بأن المقاربة الأمريكية لم تعد تعتمد على تثبيت التوازنات، بل على تغييرها جذرياً.

إسرائيل كخط دفاع أول في العقيدة الأمريكية الجديدة

التحول الأكثر وضوحاً في هذه العقيدة يتعلق بمكانة إسرائيل نفسها. في الخطاب الأمريكي الجديد، لم تعد إسرائيل تُعامل كحليف يحتاج إلى ضبط سلوكه، بل أصبحت أصل استراتيجي أساسي في مواجهة خصوم الولايات المتحدة في المنطقة. يقول وزير الدفاع الأمريكي بوضوح: "إسرائيل ليست مجرد حليف، بل هي خط الدفاع الأول عن الحرية في الشرق الأوسط". ويضيف: "عندما نمنح إسرائيل الأدوات اللازمة للانتصار، فإننا ننقذ الجنود الأمريكيين في ساحات المعارك المستقبلية". بهذا المعنى، لم يعد دعم إسرائيل مجرد مسألة تحالف سياسي، بل أصبح جزءاً لا يتجزأ من العقيدة الأمنية الأمريكية نفسها.

لعدة سنوات، كانت الرسالة الأمريكية لإسرائيل واضحة: الرد يجب أن يكون متناسباً مع الموقف. لكن الخطاب الجديد يقلب هذه المعادلة تماماً. يقول هيغسيث: "لسنوات كنا نقول لإسرائيل: اضبطوا أنفسكم. ردوا بما يتناسب مع الموقف. هذه ليست لغة الحلفاء". ويضيف بوضوح أكبر: "الحليف الفعّال هو القادر على القضاء نهائياً على التهديد الذي يواجهه". هذا التحول يعني عملياً أن واشنطن لم تعد ترى في الحروب الإقليمية أزمات يجب احتواؤها، بل معارك يمكن أن تنتهي بحسم واضح ونصر حاسم.

تداعيات العقيدة الجديدة على حزب الله ولبنان

في ضوء هذه العقيدة الجديدة، لا يمكن قراءة المواجهة بين إسرائيل وحزب الله كصراع حدودي محدود. ففي نظر واشنطن، يشكل حزب الله أحد أهم أذرع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط. وإذا كانت إسرائيل تُعرَّف اليوم كخط الدفاع الأول في مواجهة هذا النفوذ، فإن المواجهة مع الحزب تصبح جزءاً من معركة أوسع تتجاوز لبنان نفسه. ومن هنا يصبح من الصعب تصور أن تتوقف الحرب قبل تحقيق هدف واضح: إزالة حزب الله ككيان وليس تهديده العسكري فقط.

في هذا السياق، يقول هيغسيث: "دورنا في وزارة الدفاع هو إزالة العوائق وضمان امتلاك إسرائيل مستودعات ذخيرة كاملة والدعم السياسي اللازم لتحقيق النصر". المشكلة أن تداعيات هذه المعادلة لا تقع على حزب الله وحده، بل على لبنان كله. فوجود قوة عسكرية مرتبطة بإيران داخل لبنان يجعل البلد، بحكم الأمر الواقع، جزءاً من الصراع بين الولايات المتحدة والمحور الإيراني.

مع التحول في العقيدة الأمريكية، يصبح من الواضح أن الحرب الدائرة اليوم لا تُدار بهدف احتواء التصعيد، بل بهدف تغيير المعادلة جذرياً. وهنا يكمن الخطر الحقيقي. فالخطر لم يعد احتمالاً نظرياً يمكن تجنبه عبر الدبلوماسية أو التهدئة. إنه خطر واقعي قائم وجارٍ بالفعل على الأرض، ويتقدم نحو مرحلته الحاسمة.

لبنان في قلب الصراع الإقليمي: تحديات سياسية واقتصادية

هذا الواقع يضع لبنان أمام لحظة سياسية صعبة. فدولة صغيرة تعاني أصلاً من أزمات اقتصادية وسياسية عميقة تجد نفسها مرة أخرى في قلب صراع إقليمي كبير لا تملك السيطرة عليه. وفي ظل غياب احتكار الدولة لقرار الحرب والسلم، يبقى لبنان معرضاً لأن يتحول إلى ساحة معركة في مواجهة تتجاوز حدوده بكثير.

وعليه، فإن أي توجه للسلطة اللبنانية نحو معالجة مسألة السلاح خارج إطار الدولة، بما في ذلك حل الجناح العسكري لحزب الله وحظر نشاطات الحرس الثوري الإيراني في لبنان، لا يمكن اعتباره خطوة استثنائية أو خاضعة لضغوط خارجية. بل هو، في ظل التحولات الإقليمية الجارية، خيار طبيعي وبديهي وضروري. فلبنان لا يستطيع أن يتحمل كلفة البقاء ساحة مفتوحة لصراع إقليمي كبير.

الخلاصة: نهاية مرحلة التوازنات وبدء عصر النصر

في النهاية، تكشف العقيدة الأمريكية الجديدة حقيقة قد تكون قاسية بالنسبة للبنان: المرحلة التي كانت فيها واشنطن تسعى إلى وقف الحروب وإدارة التوازنات تبدو اليوم في طريقها إلى النهاية. أما المرحلة الجديدة، فهي تقوم على تمكين الحلفاء من تحقيق النصر. وفي ظل هذه المقاربة، يبدو أن الحرب الدائرة لن تتوقف بمجرد العودة إلى قواعد الاشتباك السابقة، بل فقط عندما تُعتبر التهديدات التي تواجه إسرائيل قد أُزيلت بصورة حاسمة.

بالنسبة للبنان، هذا يعني أن الصراع الذي يعيشه اليوم ليس مجرد جولة عسكرية عابرة، بل جزء من معادلة إقليمية أكبر... معادلة بدأت بالفعل، وما زالت تتقدم نحو نهايتها. والويل لمن لا يعرف أن يتأقلم مع هذه التحولات الجذرية في المشهد الاستراتيجي للشرق الأوسط.