الحرب في إيران: فتح مغلاق زجاجة الجنّي الشائك
الحرب في إيران حالياً تشبه من فتح مغلاق زجاجة عصياً، مما يسمح للجنّي الكامن في داخلها بالخروج. هذا الجنّي يتمثل في الأسئلة الشائكة التي فرضت حضورها دون أن تجد من يملك الإجابات الكافية، مما يترك الأزمة مفتوحة على احتمالات متعددة. من بين هذه الأسئلة، تبرز الأهداف من الحرب كأكثرها إلحاحاً، حيث أن بدء الحرب فجأة يعد عنصراً طبيعياً في حسابات القادة العسكريين، لكن الإشكالية الحقيقية تكمن في القدرة على التحكم في مساراتها بعد انطلاقها.
تسارع الأحداث وانعطافات الحرب
في عام 2026، الذي لم يكمل بعد ربعَه الأول، شهد العالم سلسلة من الأحداث الدراماتيكية. بدءاً من اختطاف القوات الأميركية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وصولاً إلى الانعطاف الحاد نحو إيران. في الضربة الأولى، تمكن الأميركيون والإسرائيليون من اغتيال الزعيم الروحي الإيراني وعدد كبير من القيادات، لكن إيران هذه المرة اختلفت عن سابقتها؛ حيث كانت مستعدة لامتصاص الضربة والرد عليها، مما أضاف طبقة جديدة من التعقيد إلى الصراع.
الخوض في تفاصيل الأسباب التي دفعت أميركا للانضمام إلى خطط إسرائيل بالهجوم على إيران، بهدف إسقاط النظام، قد لا يبدو مهماً الآن للمراقب الخارجي بسبب تسارع وتيرة الأحداث. خلال الأسبوع الأول من الحرب، طالت التطورات دولاً عربية مجاورة عديدة، وأفضت إلى إغلاق مضيق هرمز وارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز عالمياً، مما زاد من حدة الأزمة الاقتصادية العالمية.
القطيعة بين واشنطن وأوروبا: بيان واضح
الأهم من ذلك، أن واشنطن أبانت بما لا يدع مجالاً للشك أن قطيعتها مع أوروبا أمر لا رجوع فيه. باختيارها عمداً التوجه إلى الحرب على إيران دون التشاور مع الحلفاء الأوروبيين، تركت واشنطن حلفاءها في الظلام، مع استثناء محتمل لألمانيا التي صرحت بأنها أُبلغت بالضربة مسبقاً. هذا النهج يختلف جذرياً عن سابقاته، حيث كرّس القادة الأميركيون السابقون مثل جورج بوش (الأب) و(الابن) جهودهم في تكوين تحالفات دولية قبل الشروع في الحروب.
المواقف الأوروبية: انقسام وعجز
القادة الأوروبيون اختلفوا في مواقفهم من الحرب، مما كشف عن عجزهم عن تكوين موقف موحد. بعض المعلقين الغربيين يرون أن هذا الانقسام قد يكون نابعاً من شكوكهم في أهداف الرئيس ترمب من الحرب، بالإضافة إلى تركيزهم على أولوية أوكرانيا. على سبيل المثال، رئيس الحكومة البريطاني كير ستارمر منع الطائرات المقاتلة الأميركية من استخدام القواعد البريطانية، ثم تراجع عن قراره تحت ضغوط، مما عرضه لانتقادات من الرئيس ترمب.
من جهة أخرى، صرّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس بأن أميركا وإسرائيل تولتا مهمة لن تقوم بها أوروبا، مؤكداً على عدم ملاءمة إلقاء الدروس على الحلفاء. بينما حذّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من ضرورة تركيز الجهود على أوكرانيا، وانتقد رئيس الحكومة الإسباني بيدرو سانشيز الحرب ووصفها بـ"روليت روسية"، ومنع القوات الأميركية من استخدام القواعد في بلاده.
تداعيات الحرب وتأثيراتها المستقبلية
اللافت في التصريحات الأوروبية هو حرصها على تأكيد عدم انخراطها في الهجمات، مع دعمها لهدف منع إيران من الحصول على السلاح النووي. إيران من جهتها لم تلقِ بالاً لهذه المواقف، كما يتضح من استهدافها قاعدة عسكرية بريطانية في قبرص بطائرة مسيّرة. الموقف الإسباني يمثل أوضح المواقف، وقد تكون إسبانيا أكثر المتضررين إذا نفّذ الرئيس الأميركي وعيده بقطع الصلات التجارية معها.
بين تحذيرات "الروليت الروسية" والبراغماتية الألمانية الحذرة، تجد أوروبا نفسها منقسمة وعاجزة عن اتخاذ موقف موحد في واحدة من أخطر الحروب في المنطقة، والتي تمس مباشرة بأمنها. باختصار، فإن الحرب ضد إيران تخدم كبيان أميركي واضح بإعلان القطيعة مع أوروبا، مما يفتح فصلاً جديداً في العلاقات الدولية المتوترة.
