الأفراد أم الشعوب: من يقود مسار التاريخ في ظل الحرب الإقليمية المتصاعدة؟
الأفراد أم الشعوب: محرّك التاريخ في الحرب الإقليمية

الأفراد مقابل الشعوب: الجدل التاريخي الذي يعود إلى الواجهة

في خضم التصعيد العسكري المتزايد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وأذرعها الإقليمية من جهة أخرى، والذي يتحول بوتيرة متسارعة نحو مواجهة إقليمية شاملة تمتد من قبرص حتى مضيق باب المندب، يطفو على السطح تساؤل فلسفي عميق: هل كان من الممكن أن يحدث هذا الحسم العسكري غير المسبوق لولا وجود رجل واحد في البيت الأبيض يُدعى دونالد ترمب؟ وهل يمكن اختزال المسار التاريخي برمته في تأثير فرد واحد فقط؟

التحول من الإلهي إلى البشري: رحلة مفهوم محرّك التاريخ

لقرون طويلة قبل ظهور مفهوم الشعب ككيان فاعل، ساد الاعتقاد بأن محركات التاريخ الرئيسية هي الأفراد الاستثنائيون، وخاصة القادة الذين تدور حولهم الأحداث. وقبل ذلك، خلال ألف عام من العصور الوسطى الأوروبية، كان المنظور السائد يعزو قيادة التاريخ إلى العناية الإلهية، حيث كان يُنظر إلى البشر كعناصر سلبية لا تملك القدرة على تقديم أو تأخير مسارات العالم.

شهد النصف الثاني من القرن الخامس عشر ثم القرن السادس عشر ثورة ثقافية كبرى عُرفت باسم النهضة الأوروبية، والتي أنهت عصر القرون الوسطى وفتحت أبواب العصور الحديثة. تُوصف هذه النهضة بأنها ثورة إنسانية لأنها نقلت محور التاريخ من الإلهي إلى البشري، حيث أصبح الإنسان قادراً على التأثير في الواقع وصنع التقدم. كما شهدت تلك الفترة انتقالاً من أولوية الحياة والسعادة الأبديتين إلى أولوية الحياة والسعادة الأرضيتين، مع تحرير الجسد من وصمة كونه مصدراً للآثام والشرور، وإعلاء شأن العقل النقدي، مما أسس للمفاهيم والأنماط السلوكية التي نعرفها اليوم في عالم الحداثة الغربية.

من الأفراد العظام إلى ظهور الشعب كقوة تاريخية

بعد عصر النهضة، لم يبرز الشعب فوراً كمحرك رئيسي للتاريخ، بل استمر التركيز على الأفراد العظام من ملوك وقادة حروب، كان أبرزهم في أوروبا الملك الشمس لويس الرابع عشر. في المجالات الأدبية والفنية الكلاسيكية، ساد مفهوم أن الأنا بغيضة، حيث كان يُنظر باستخفاف إلى التعبير عن المشاعر والحياة الذاتية. كان الأدب والرسم يركزان على الأفراد العظام من قديسين وملوك وقادة تاريخيين، ولم تتحول الأنا إلى موضوع رئيسي في الآداب والفنون إلا مع ظهور الأدب الرومانسي ثم الرسم الانطباعي وما تلاهما.

ظهر مفهوم الشعب كمحرك للتاريخ مع الثورة الفرنسية الكبرى في نهاية القرن الثامن عشر، التي أسقطت النظام القديم، ثم ثورة باريس الشعبية المعروفة باسم كمونة باريس التي ألهمت كارل ماركس وفريدريك إنجلز. رأى المفكر الاجتماعي البارز ألكسي دو توكفيل، الذي عاصر الثورة الفرنسية، أن التوق إلى المساواة الكامن في الشعب هو المحرك الحقيقي للتاريخ. وفي تلك الفترة، وُلد علم الاجتماع (السوسيولوجيا) لتقديم تفسير علمي لهذه الظاهرة الجديدة على العقل البشري.

نابليون بونابرت: العودة إلى الفرد القائد

بين الثورة الفرنسية وكمونة باريس، ظهرت مغامرة نابليون بونابرت المذهلة، التي أعادت الاعتبار للقائد الفرد كصانع للتاريخ. من غرائب القدر أن الثورة الفرنسية، التي أسقطت قروناً من النظام الملكي الفرنسي وأعدمت لويس السادس عشر حفيد القديس لويس، سرعان ما انتصرت لعسكري مجهول من جزيرة كورسيكا، يتمتع بقدرات شخصية استثنائية، تسلق المراتب بسرعة وأعلن نفسه إمبراطوراً. سارت وراءه جحافل الجيوش الفرنسية لإخضاع أوروبا والعالم، من عكا إلى موسكو، هاتفةً ليحيا الإمبراطور!.

الواقع الحالي: ترمب والنظام الدولي في القرن الحادي والعشرين

يعود التساؤل نفسه اليوم في خضم حرب الشرق الأوسط، ومستهل الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين: ماذا لو لم يكن هناك الرجل الثمانيني دونالد ترمب؟ ومن هو محرّك التاريخ حقاً، الشعوب أم قادتها؟ بين القوى العظمى الأربع الكبرى، تبدو ثلاث منها - الصين وروسيا والهند - قد حسمت أمرها وسلمت مصائرها للرجل القائد الأوحد لفترات طويلة، وربما حتى نهاية العمر. أما الولايات المتحدة، القوة الأكبر، فهي على غرار الديمقراطيات الغربية الأخرى، ما زالت تمنح الأولوية في القرار للشعب.

مهما بلغت سطوة ترمب، فإن ولايته لن تتخطى السنوات الأربع الدستورية. وعليه الآن، في أوج المواجهة العسكرية مع النظام الإيراني وأذرعه، أن يأخذ في الاعتبار:

  • توازنات الكونغرس الدقيقة وتحولاته المرتقبة.
  • تأثير وسائل الإعلام المختلفة.
  • نتائج الاستقصاءات التي تظهر معارضة أكثرية الرأي العام للحرب.

هذه الحيوية في الديمقراطية الغربية هي ما وصفه الفيلسوف ريمون أرون بأنها ليست النظام السياسي الأمثل، بل الأقل سوءاً. يبقى الجدل بين دور الأفراد ودور الشعوب في صناعة التاريخ مستمراً، خاصة في لحظات الأزمات الكبرى التي تشهد تحولات جيوسياسية عميقة.