التخبط الإيراني في التعامل مع الحرب: استهداف دول الخليج بدلاً من مواجهة المعتدين الحقيقيين
في مشهد يثير التساؤلات والاستغراب، تستمر السياسة العسكرية الإيرانية في التخبط والتناقض الواضح خلال تعاملها مع الحرب الدائرة. فبينما توجه طهران صواريخها ومسيراتها المسلحة نحو دول الإمارات وقطر والكويت والبحرين بحجة وجود قواعد عسكرية أمريكية فيها، نجد أن الضربات تركز فعلياً على إحداثيات مدنية، مما يؤدي إلى سقوط قتلى ومصابين من المدنيين الأبرياء. لكن السؤال الأكثر إلحاحاً الذي يطرح نفسه: لماذا تستهدف إيران المملكة العربية السعودية التي لا وجود لقواعد عسكرية أمريكية على أراضيها؟
استنزاف القدرات العسكرية في اتجاهات خاطئة
من المعروف أن الصواريخ والمسيرات المسلحة لدى إيران محدودة العدد، وهي في تناقص يومي بسبب الضربات الأمريكية والإسرائيلية، وكذلك بسبب الاستخدام المكثف في توجيهها نحو وجهات مختلفة. هذه الذخائر ستنفد حتماً مع مرور الأيام، فلماذا لا تقصر طهران استخدامها على من اعتدى عليها فعلياً؟ لماذا تبدد هذه الإمكانيات العسكرية الثمينة في استهداف دول ليست طرفاً في الصراع الأساسي؟
يبدو أن إيران تريد إلحاق الأذى بجيرانها العرب، رغم ما يجمعها بهم من دين وتاريخ مشترك، عوضاً عن تركيز قدراتها العسكرية على إسرائيل والقوات الأمريكية في البحر. وهؤلاء هم من قتلوا المرشد الأعلى الإيراني، بالإضافة إلى أكثر من 40 من القادة العسكريين والسياسيين رفيعي المستوى، فضلاً عن التسبب في دمار شامل. فبدلاً من الانتقام ممن تسببوا في هذه الخسائر الفادحة، توجه طهران عدوانها نحو دول مجاورة لم تشارك في هذه الأعمال العدائية.
محاولات جر دول الخليج إلى الصراع
من الواضح أن إيران تريد جر دول مجلس التعاون الخليجي إلى حرب ضروس، وإشراكها فيما تتعرض له من تدمير وقتل. هذا يأتي في ظل عجزها عن مواجهة القوة الضاربة لكل من أمريكا وإسرائيل، فتلجأ إلى الانتقام من أطراف لا علاقة لها بحربها مع هذين الخصمين. إنها سياسة تخبط واضحة تعكس حالة من اليأس والعجز عن المواجهة المباشرة.
وحتى كتابة هذا التحليل، لا تزال دول مجلس التعاون تتعامل مع العدوان الإيراني عليها بإعطاء فرصة زمنية لإيران لتوقف اعتداءاتها. هذا الموقف لا ينبع من ضعف، بل من رغبة في إمهال طهران كي تختار الطريق الصحيح للدفاع عن نفسها أمام من يعتدي عليها فعلياً، بدلاً من تحويل دول المجلس إلى جهة يجب جرها إلى أتون هذه الحرب.
تخبط يشمل حتى النقل البحري
التخبط الإيراني في التعامل مع المصير الذي تمر به البلاد لم يستثن حتى ناقلات النفط، حيث توجه الصواريخ نحو السفن التي تعبر مضيق هرمز. هذا التصرف جعل العديد من السفن تتوقف بعيداً عن المضيق، خوفاً من الاستهداف الإيراني العشوائي. إنه سلوك يعكس حالة من الفوضى وعدم الوضوح في الأهداف الاستراتيجية.
تحذيرات واضحة ومواقف إيجابية تجاهلة
ما يهمنا أن تدركه إيران هو أنها لن تُترك مفلوتة الأيدي تعتدي على دول ليست منخرطة في الحرب، وغير داعمة لها. فعدم إدراكها لهذه الحقيقة يعني أن عليها أن تنتظر ما يسوؤها، وأن تتحمل المزيد من المخاطر الانتقامية ضد اعتداءاتها. للصبر حدود، وللتسامح مدى، وعلى طهران أن تعي ذلك قبل فوات الأوان.
لقد تعاملت دول مجلس التعاون مع إيران بشكل ودي، متفهمة المرحلة الصعبة التي تمر بها. فقد توسطت لمنع الحرب وتدخلت للتقليل من آثارها، وبذلت كل جهد ممكن للوصول مع أمريكا وإيران إلى حلول دبلوماسية. لكن عدم استجابة إيران للشروط الأمريكية، وعدم تنازل أمريكا عن شروطها، لم يساعد على تطويق الحرب وأسباب قيامها.
ومع كل هذه الجهود الإيجابية، كانت إيران في الموقف المعادي لدولنا، وهي من تعمدت إلحاق الضرر بها، والمساس بسيادتها، ومحاولة دفعها لتكون أطرافاً في هذه الأزمة. لقد تجاهلت طهران المواقف الإيجابية لدول الخليج، وتعاطفها معها ضد أي هجوم عليها، مع أنها تواجه الآن من الأخطار والمستقبل المظلم ما كان بإمكانها تجنبه لو سمعت وأصغت لنصائح المملكة وبقية دول المجلس.
إن التخبط الإيراني في سياساتها العسكرية خلال هذه الحرب يظهر حالة من الارتباك الاستراتيجي الذي قد يكلفها ثمناً باهظاً. فبدلاً من تركيز جهودها على مواجهة الخصوم الحقيقيين، تنشر عدوانها على جيرانها الذين يمدون لها يد العون والوساطة. إنها معادلة خاطئة تحتاج إلى مراجعة عاجلة قبل أن تتفاقم العواقب وتتسع رقعة الصراع بشكل لا يمكن السيطرة عليه.
