تحليل معمق: تريث حزب الله الاستراتيجي بعد اغتيال خامنئي في طهران
في أعقاب اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي بغارات إسرائيلية استهدفت طهران، يظهر حزب الله اللبناني تريثاً واضحاً وتجنباً لاتخاذ موقف مباشر وصريح من دعم إيران عسكرياً، على الرغم من الوعود السابقة بذلك. هذا التريث يأتي في وقت يواجه فيه الحزب ضغوطاً متعددة الأوجه، من الداخل اللبناني والخارج الإقليمي.
بيانات النعي والمواقف المتضاربة
في نعي الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، أكد على أن الحزب "سيكون دائماً في طليعة المجاهدين لتحرير الأرض والإنسان"، مستذكراً نهج السيد حسن نصرالله. لكن قراءة متأنية للمضمون تكشف عن تريث واضح في اتخاذ أي خطوة عملية، وربما إرباك كبير في الصفوف.
التهديد السابق الذي أطلقه الحزب بعدم الوقوف على الحياد في الموضوع الإيراني، يبدو الآن وكأنه كان موقفاً سياسياً يستند إلى ترجيح نجاح المفاوضات، أكثر من كونه استعداداً فعلياً لخوض حرب جديدة.
الأسباب الخمسة الكامنة وراء التريث
- الموقف الرسمي اللبناني الحازم: يواجه حزب الله موقفاً رسمياً حازماً عبر عنه رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة برفض توريط لبنان في حرب إقليمية جديدة، خصوصاً مع الخراب الذي طال دولاً عربية عديدة والنتائج الواضحة للصراعات السابقة.
- الرفض الشعبي والوطني: هناك موقف شعبي ووطني معترض وممانع لسياسات الحزب الإيرانية، تجلى في مواقف الأحزاب والتيارات السياسية التي سبقت نشوب الحرب، وبعضها عبر عن سروره باغتيال خامنئي، مما يضع الحزب في موقف حرج أمام قاعدته الشعبية.
- عدم استعداد الجمهور الداعم: يدرك الحزب أن جمهوره الذي يؤيده ليس مستعداً لحرب جديدة ودمار جديد وتهجير جديد، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وعدم اكتمال مرحلة إعادة الإعمار بعد الحروب السابقة، مع دخول الموسم الرمضاني والشتوي البارد الذي يزيد من معاناة الناس.
- ردة الفعل الإسرائيلية المتوقعة: يدرك الحزب أن ردة فعل إسرائيل على فتح جبهة لبنانية ستكون متوحشة بشكل كبير، لأنها غير قادرة على تحمل فتح جبهات مختلفة، وستعمل على إقفال ما يسمى "باب الريح" اللبناني في أسرع وقت ممكن بكل قواها العسكرية.
- غياب الأوامر المباشرة من طهران: من الواضح أن طهران لم تطلب بعد من الموالين لها، وتحديداً حزب الله في لبنان، التحرك لنصرتها وفتح جبهة الجنوب، مما يترك الحزب في حالة انتظار وتريث تكتيكي.
التحديات الأمنية المستمرة
يأتي هذا التريث في وقت تستمر إسرائيل أسبوعياً، وأحياناً بشكل يومي، في اغتيال قياديي الحزب وقصف ما تدعي أنها مخازن أسلحة وذخائر في مناطق متفرقة من لبنان. هذه العمليات المستمرة تزيد من الضغط على الحزب وتحد من قدرته على التحرك بحرية.
السؤال المحوري: ماذا لو صدرت الأوامر؟
يبقى السؤال الملحّ الذي يطرح نفسه بقوة: ماذا لو طلبت طهران إسناداً لبنانياً فعلياً؟ وماذا لو صدرت الأوامر والفتاوى الدينية؟ هل يقود حزب الله حرباً انتحارية جديدة قد تكون لها تداعيات كارثية على لبنان وشعبه؟
هذه الأسئلة تظل معلقة في ظل التريث الحالي، الذي يعكس حالة من الحذر الاستراتيجي والتفكير العميق في العواقب، في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات جيوسياسية كبيرة وتوترات متصاعدة.
