سماسرة الهيكل الرقمي: كيف تُباع الشرق في سوق الانتخابات الأميركية؟
في زمن يتسارع فيه العالم نحو عصر الحداثة الفائقة والتقنيات المتطورة، تشهد السياسة الخارجية للولايات المتحدة تجاه منطقتنا العربية تراجعاً مذهلاً إلى منطق العصور الوسطى، لكن هذه المرة مُغلّفاً بطبقة رقمية حديثة تهدف للتأثير والانتشار.
تحوّل الدبلوماسية إلى استعراض أيديولوجي
لم تعد الدبلوماسية في واشنطن تمثل فن الممكن أو سعياً لرعاية المصالح المشتركة بين الدول، بل تحوّلت بشكل صارخ إلى استعراض أيديولوجي يهدف أساساً إلى جمع الإعجابات الرقمية وتملّق مراكز النفوذ الداخلية. هذا السباق المحموم يدهس في طريقه حقوق ملايين البشر وتطلّعاتهم المشروعة في العيش بكرامة واستقرار.
صكوك الغفران الرقمية: غراهام وهاكابي نموذجاً صارخاً
عندما نتابع التصريحات المتذبذبة للسيناتور ليندسي غراهام، أو نتعمق في فكر السفير السابق مايك هاكابي، نجد أننا لسنا أمام مواقف سياسية عادية قابلة للنقاش والحوار، بل أمام تطرّف لاهوتي مُغلَّف بعباءة البروتوكولات الرسمية والدبلوماسية.
هؤلاء الساسة، بالإضافة إلى أصوات صاخبة أخرى مثل توم كوتون وتيد كروز، يعتاشون سياسياً على تبني سرديات إقصائية تمنح صكوكاً تمليكية رمزية لجماعة على حساب أخرى، بناءً على قراءات انتقائية ومشوّهة لنصوص تاريخية ودينية.
هاكابي، على سبيل المثال، يتعامل مع الجغرافيا الفلسطينية ليس كأرض مأهولة بشعب له تاريخ عريق وجذور ضاربة في العمق، بل كـ محتوى رقمي يُقدَّم للقاعدة الإنجيلية في أميركا لضمان الولاء الانتخابي والدعم السياسي.
سطوة الخوارزميات وتسطيح الوعي الجماعي
هنا يبرز الدور الخطير الذي تلعبه منصّات التواصل الاجتماعي في هذه المعادلة؛ حيث تُختزل القضايا الوجودية المعقّدة والمتشابكة لتلائم ذائقة جمهور يبحث عن الإثارة السريعة والمحتوى الجذاب.
المظالم التاريخية وعمليات التدمير الممنهجة للمقدّرات والحضارات تُساق عبر خوارزميات منحازة، تُعلي من شأن الرواية المهيمنة وتُغيّب صوت المظلوم والمقهور.
لقد أدرك صقور واشنطن أن الوسم في كثير من الأحيان أصبح أقوى تأثيراً من القانون الدولي والمؤسسات العالمية، فباتوا يبيعون مواقفهم وسياساتهم في سوق المزايدات الرقمية المفتوحة.
ازدواجية المعايير وسلاح الترهيب الفكري
لقد نجحت الماكنة الإعلامية المساندة لهذا التيار في تحويل بعض المصطلحات الحقوقية إلى هراوات تُشهر في وجه كل من يتساءل أو يشكك في منطق التفوّق العرقي المزعوم.
تظهر هنا ازدواجية صارخة في المعايير:
- حين يتحدّث اليمين المتطرّف عن الحق التاريخي المطلق في تملّك الأرض وإقصاء الآخر، يُحتفى به كخطاب إيماني وأصيل.
- بينما حين يطالب أصحاب الأرض الأصليون بحقهم الطبيعي في البقاء والحرية والكرامة، يُصنَّف خطابهم فوراً في خانة التحريض والإرهاب والعداء.
احتكار السردية وفائض الظلم المنظم
يعاني صانع القرار في واشنطن من فقر معرفي وسطحية مرعبة في فهم تعقيدات منطقتنا العربية، حيث يستقي رؤيته من فلتر أُحادي الجانب يُصوّر الصراعات كمعركة بين التحضّر والفوضى.
إنهم يتجاهلون عمداً حقيقة فطرية أساسية: أن البشر جميعاً متساوون في حقهم في فلح الأرض، وبناء البيوت، وحماية أبنائهم، والعيش بسلام.
إنَّ الجرح النازف في الشرق الأوسط ليس نتاج نقص في الموارد أو القدرات، بل هو نتاج فائض في الظلم المحمي بغطاء دولي ومباركات سياسية.
ضرورة المواجهة الأخلاقية
إن مواجهة هذا النهج السياسي القائم على اللايكات والادعاءات التوراتية المسيّسة ليست مجرّد موقف سياسي عابر، بل هي ضرورة أخلاقية ملحّة لاستعادة كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية.
وأمام هذا المشهد المتفجّر والمتأزم، بات من المحتم على المؤسسة الرسمية في الولايات المتحدة أن توضّح محدّدات سياستها في المنطقة بصراحة وشفافية؛ فالصمت تجاه تصريحات أمثال هاكابي وغراهام لم يعد مجرّد حرية تعبير لساسة يبحثون عن الشعبية، بل أصبح يُفسَّر كغطاء سياسي لممارسات تدميرية خطيرة.
إن ترك الساحة لهذه السرديات اللاهوتية الغارقة في الشعبوية الرقمية لن يؤدي إلا إلى:
- تعقيد الوضع الميداني في المنطقة
- زيادة حدّة الاستقطاب والانقسامات
- نسف ما تبقّى من جسور الثقة مع شعوب المنطقة
إن الانجرار خلف اللايكات الانتخابية قد يمنح هؤلاء الساسة مقاعد في الكونغرس وشعبية مؤقتة، لكنه يضع الاستقرار الإقليمي برمته على فوهة بركان، ويورّط واشنطن في صراعات صفرية لا تخدم سوى خطاب التطرّف والكراهية والتعصب.