عن موت الحدث: قراءة في أيديولوجيا الخلود والعداوة المطلقة
عن موت الحدث: قراءة في أيديولوجيا الخلود

تشويه صورة الواقع في الانقسام اللبناني

هناكَ مَن يصوّر فريقي الخلاف العميق الذي يشقّ اللبنانيّين بوصفهما واحداً مؤيّداً لإسرائيل وآخرَ مقاوماً لها. والحقّ أنَّ الصُّورةَ هذه زائفة إلى الحدّ الأبعد. فالانقسام الفعليّ في هذا الشأن هو بينَ مَن يريد إخراجَ إسرائيلَ من بلده واستعادةَ أراضيه الوطنيّة المحتلّة، ومَن يريد، في المقابل، بقاءَ إسرائيلَ في بلده كي يُسوّغَ المضيَّ في حمل السّلاح وممارسةِ المقاومة. وقد سبقَ للطرف الأخير هذا أنْ وصفَ الانسحابَ الإسرائيليّ في 2000 بـ«مؤامرة الانسحاب»، قبل أنْ يعثرَ على ضالَّتِه في مزارعِ شبعا التي تجيزُ له ما يُفترض أنَّه غيرُ جائز.

الهيام الإسرائيلي وتشويه الأولويات

والحال أنَّ تشويه صورةِ الواقع هذه لا يأتي فحسب من «حزب الله» ومناصريه. فأحياناً، وتحت وطأة السجال وحدّة المهاترة وتراكم الأحقاد، يعبّر بعضُ مَن يريدون انسحابَ إسرائيلَ عن هيامٍ بها يُستحسن تفاديه، مثلما يصدر، بين وقت وآخر، كلامٌ إسرائيليٌّ مبتذل، يكاد يكونُ سياحيّاً، عن هدفٍ مشتركٍ يجمع الإسرائيليّين باللبنانيّين في مواجهة «حزب الله».

لكنْ يبقى أنّ تحديدَ طبيعةِ النزاع الفعليّة، وبعد طردِ التفاصيل الصغرى، إنَّما يسمح بالحديث عن طرفين: طرف استقلاليّ يعامل بلدَه بوصفه مركزَ تفكيرِه وهمّه، كما يعامل السياسة والدبلوماسيّة بوصفهما، في ظلّ توازن القوى الراهن، أداتي ذاك الإنجاز الوحيدتين، وطرف يجعل «العدوّ» مركز تفكيره رافضاً التوقّف عند ما يضع حدّاً لتعذيب شعبه، وتالياً لوضع معذِّب ومديد تعود بداياته إلى أواخر الستينات. فهنا، وفي ظلّ أبديّة العداوة، يغدو البشر «عناصر» في سعي تاريخيّ لا سبيل إلى اجتنابه، فيما البلد هو أيضاً أداة أو مسرح لتحقّق السعي ذاك.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

استمرارية لغة المقاومة بعد الانسحاب

فـ«حزب الله» مثلاً لا تتغيّر لغته التعبويّة وشعاراته أكانَ الجنوبُ محتلاًّ أم لم يكن. وحينما انسحبَ الإسرائيليّون من لبنان في 2000 استمرّت مقاومة الحزب المسلّحة واستمرّت معها لغتُه المسلّحة كما لو أنّ الحدثَ نفسَه لم يحدث. وهو، بالمعنى هذا، لم يقلْ مرّة واحدة إنّه مستعدّ للكفّ عن مقاومته ولتسليم سلاحه إذا انسحب الإسرائيليّون انسحاباً تامّاً من لبنان.

ما يضاعف عدمَ الاكتراث بالحدث عدمُ الاتّفاق على معايير عقلانيّة في تأويله. فقد تُحتلّ الأرض وترتفع عدّادات القتل وتُدمّر المدن والبلدات والبيوت، ومع ذلك يجزم الناطقون بلسان تلك المآسي بأنّهم هم المنتصرون.

الحدث في خدمة الأيديولوجيا والمصالح الإيرانية

لكنّ عدم الاكتراث هذا، والذي هو موقف وظيفيّ تستدعيه، في حالتنا، خدمة المصالح الإيرانيّة، هو أيضاً أمر آيديولوجيّ. فالحدث، أيّ حدث، إنّما يغدو عديم الأهميّة ما دمنا نتحدّث عن «عدوّ» بالمطلق، عدوٍّ لا تجوز عليه الأنسنَة لأنّه «غدّة سرطانيّة» لا تربطنا به سوى «حرب وجود لا حرب حدود».

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

واستصغار الحدثِ المحدّد عبر تذويبه في أصل ماهويّ مفترض ذي طبيعة ملحميّة تقليدٌ عريق يمكن العثور على سوابق شهيرة له في الأدبيّات الراديكاليّة التي عصفت، ولا تزال تعصف، بالشرق الأوسط. فحين حصلت عمليّة السابع من أكتوبر (تشرين الأوّل) 2023، استقبلها المدافعون عنها بحجّة تفيد أنّ التاريخ لم يبدأ في ذاك اليوم، بل في تاريخ علاقة الإسرائيليّين بقطاع غزّة. والشيء نفسه حصل بُعيد عمليّة 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في نيويورك وواشنطن، حيث جرى تذكيرنا بـ«التاريخ الأسود لأميركا» مع منطقتنا. أمّا حين استولى تنظيم «خطّ الإمام» على السفارة الأميركيّة في طهران، وكانتِ الثورة الخمينيّة قد انتصرت للتوّ، فأعادتنا الأصواتُ نفسُها ربعَ قرنٍ إلى الوراء، إذ لا يجوز لنا أن ننسى انقلابَ وكالةِ المخابرات الأميركيّة والجنرال زاهدي على محمّد مصدّق.

المظلومية كأساس للوعي

ففي وعي مؤسّس على ما يُسمّى المظلوميّة، يتبدّى ظلم المظلوم استهدافاً خالداً، أو «حدثاً» خالداً، أي أنّه ليس حدثاً، إذ الأخير والخلود ضدّان لا يلتقيان. وبحضور الخلود وحربه المتواصلة التي لا سبيل إلى تجنّبها، تغيب المسؤوليّة وتغيب المساءلة لأنّ الفاعلين «لم يكن لديهم خيار آخر».

فالحدث بالتالي ليس مهمّاً إلاّ لأنَّه «جاء يؤكّد صحّة تحليلنا»، بحسب العبارة الساخرة التي كانت تقال عن بيانات الأحزاب الشيوعيّة. وكانت هنه أرنت قد كتبت ذات مرّة أنّه عملاً بـ«التفكير الآيديولوجيّ»، ما إن يحضر «قانون التاريخ» حتّى يعاد تأويل الحقائق بما يلائم ذاك «القانون».

مسرح التاريخ وغياب المعنى

وما دامتِ «المقاومة ضرورة تاريخيّة»، وما دام الاستعمار والمؤامرات شروراً يستحيل تجنّبها، نغدو أمام مسرح هائل لفعل التاريخ الذي لا مردّ له. أمّا الحدث نفسه فيغدو قزماً مثله مثل المساءلة والمسؤوليّة عنه، فيما يفقد النقد الموجّه له كلّ أهميّة ما خلا إرسال الناقد إلى «مزبلة التاريخ».

وفي غياب التحديد المستمَدّ من الحدث والمبنيّ عليه، تغيب السياسة ويغيب المعنى، وتنتشر نيتشويّة جُرّدت من خلفيّاتها المعقّدة، فإذا التاريخ مصير وقدر فيما الكون ضفّتان إحداهما تسكنها الكرامة والشرف والثانية تقيم فيها العبوديّة والذلّ. وعلى هذا النحو نسبح في عالم سديميّ، بلا زمان ولا مكان، يقال لنا فيه إنَّ هذا الضبابَ الكثيفَ طريقُنا إلى وضوحٍ مصحوب بنصر نندفع بعده إلى نصر آخر وهكذا دواليك.