اختفاء العلماء الأمريكيين: مؤامرة أم مصادفة؟ تحقيقات مستمرة وسط غموض الأحداث
يعتقد جيمس كومر، عضو مجلس النواب الأمريكي، أن هناك أمراً شريراً يكمن وراء اختفاء ما يزيد عن 11 عالماً أمريكياً خلال السنوات القليلة الماضية. تشير بعض التقديرات إلى أن عدد الحالات قد يصل إلى 17 بين قتيل ومختفٍ، مع تصاعد الريبة بسبب تسارع الأحداث في العامين الأخيرين، حيث أن معظم الضحايا مرتبطون بشكل رئيسي ببرامج الأبحاث النووية والفضائية الأمريكية، وقد لقي العديد منهم حتفهم في ظروف غامضة تثير التساؤلات.
تفاصيل الحوادث الغامضة
بعض هؤلاء العلماء اختفوا أثناء قيامهم بنزهاتهم اليومية ولم يتم العثور عليهم، بينما قُتل آخرون على يد أصدقاء أو انتحروا رغم عدم وجود مؤشرات على رغبتهم في الموت. في هذا السياق، تتنوع الآراء بين من يرى أن لا صلة تربط بين هذه الوفيات، ومن يعتقد أن مثل هذه الأحداث لا يمكن أن تكون مجرد مصادفة، مما دفع بالتحقيقات إلى المضي قدماً بوتيرة متسارعة.
قد تبدو هذه الشكوك مجرد ميل نحو نظرية المؤامرة، خاصة في أعقاب الحرب على إيران، حيث تبدلت الأفكار وتعاظمت المخاوف. ومع ذلك، فإن استهداف العلماء، سواءً بتوظيفهم لاستغلال قدراتهم أو اغتيالهم للتخلص منهم، كان دوماً من الممارسات التي تمارسها الدول القوية على ضعفاء العالم، وليس العكس. الأمر الصادم في القصة الأمريكية هو أن القوة العظمى نفسها هي التي تعاني من هذه الشكوك.
ذاكرة الماضي وحوادث الحاضر
حتى جداتنا كن يتحدثن عن متفوقين ذهبوا إلى الولايات المتحدة، ارتقوا مراكز حساسة، وغابوا عن الأنظار لأنه لم يُسمح لهم بالعودة، خشية إفشاء الأسرار. بدت تلك القصص وكأنها من نسج الخيال، أو تكبير لحجم المغتربين الأفذاذ، لكن الأحداث العجائبية المستجدة تعيد إحياء هذه الذكريات. كما تحاول أمريكا ربط الأحداث، تظهر ظلال حول مقتل طلاب لبنانيين في ظروف غريبة أثناء دراستهم في أمريكا.
لا يغيب عن البال الشاب هادي قصب، من بلدة جنوبية، الذي وُجد ميتاً قبل سنوات في سكنه الطلابي في جامعة إم آي تي بعد تخرجه في اختصاص متعلق بالصواريخ وأبحاث أجراها حول زيادة سرعتها، وقبيل عودته النهائية إلى لبنان بعشرين يوماً. ولا يزال أهله يصرون على أنه مات مسموماً، مما يزيد من تعقيد القضية.
حوادث أخرى تثير التساؤلات
هل هي مصادفة أن يُقتل العام الماضي البروفسور وعالم الفيزياء الأمريكي، المتخصص في الاندماج النووي، نونو لوريرو، في منزله في الجامعة نفسها؟ وهل هي مصادفة أيضاً أن يقتل الطالب اللبناني في جامعة كاليفورنيا كريم أبو نجم، قبل أيام من تخرجه في البرمجيات، وبعد ساعات من تكريمه على أبحاثه، وهو في طريق العودة إلى منزله على دراجته الهوائية، بطعنة غادرة داخل الحرم الجامعي؟
ولا ينسى المصريون مقتل عالمة الذرة سميرة موسى، بعد زيارتها مفاعلاً نووياً في الولايات المتحدة، رغم مرور عقود على الحادثة، ولا اغتيال المفكر جمال حمدان صاحب كتاب اليهود أنثروبولوجياً على يد الموساد، حسبما قال رئيس المخابرات يومها أمين هويدي. هذه الحوادث التاريخية تزيد من حدة التساؤلات حول نمط استهداف العلماء.
استراتيجيات المخابرات والعسكر
نعلم ببعض الأخبار، ونجهل الكثير، ولكن بالتأكيد هناك من يعتقد بأن التخلص من العلماء، أو حتى الطلاب الواعدين في مجالات محددة، بات جزءاً من الاستراتيجيات التقليدية لأجهزة المخابرات والعسكر. وما شغل بال الأمريكيين بشأن علمائهم المفقودين، هو أن البرنامج النووي الإيراني جعل من العلماء الإيرانيين هدفاً دائماً لـالموساد طوال السنوات الماضية.
وحسب تايم أوف إسرائيل: جميع الذين تم القضاء عليهم كانوا مصادر مهمة للمعرفة، ولديهم خبرة متراكمة في تطوير الأسلحة النووية. وكجزء من خطة الهجوم، شارك عشرات الباحثين في المخابرات الإسرائيلية في مشروع سري هدف إلى تعقب علماء نوويين إيرانيين بارزين على مدى عدة سنوات. هذا التصريح يفسر سبب المخاوف من رد مماثل، يؤرق إسرائيل وأمريكا معاً.
العلماء ليسوا جنوداً
غير أنهم في أمريكا يقولون إنهم أصلب عوداً من إيران لأن لهم آلاف العلماء، مما يمنحهم عمقاً استراتيجياً علمياً. لكنّ العلماء ليسوا جنوداً، ولم يقضوا أيامهم في المختبرات ليصبحوا أهدافاً للمجرمين. ومع ذلك فهم ضحايا حتى في روسيا، حيث سُجن بعضهم بتهمة الخيانة العظمى ونقل معلومات لدول أجنبية، بينما مات آخرون في سجونهم بطريقة غامضة أو بعد الإفراج عنهم.
وبسبب الحرب الأوكرانية، بات العلماء الروس أعداء يلاحَقون. في ديسمبر 2024، عُثر على العالم الصاروخي ميخائيل شاتسكي مقتولاً برصاصة، بتهمة تطوير صواريخ كروز، وقبله سُمم فيتالي ميلنيكوف، وانتحر -أو نُحر- عالم القنابل النووية الحرارية غريغوري كلينيشوف. هذه الحوادث تؤكد على أن استهداف العقول العلمية ليس حكراً على منطقة واحدة.
الخاتمة: جريمة اغتيال الأدمغة
بمقدورك أن تستبدل سياسياً بآخر، أو أن تؤهل دبلوماسياً في غضون سنوات قلائل، لكن تنشئة عالم متخصص خلّاق تحتاج إلى عقود من الكدّ والسهر والاستثمار. أن تأتي أجهزة مخابرات، يشرف عليها بعض المجرمين، تقتل أدمغة، وتغتال مفكرين، لهي حقاً من أبشع الجرائم، وأشدها انحطاطاً. اغتيال الأدمغة ليس أمراً جديداً، لكن اعتبار التكنولوجيا رأس حربة في الحروب المقبلة، سيجعل من أهل العلم والمعرفة أثمن الأهداف، بالنسبة إلى مخلوقات دموية تتسيد السلطة.



