إيران تستفيد من حرب أوكرانيا لتجنب الخسائر وتقوية قدراتها العسكرية والأمنية
إيران تستفيد من حرب أوكرانيا لتجنب الخسائر وتقوية قدراتها

إيران تستغل دروس حرب أوكرانيا لتعزيز قدراتها وتجنب الخسائر

في خضم الحرب المستمرة في أوكرانيا، يتعامل العديد في الغرب مع هذا الصراع على أنه درس واضح في حدود القوة العسكرية، ودليل على أن المغامرات العسكرية قد تنقلب على أصحابها. لكن في الواقع، لا تبدو هذه القراءة مكتملة تماماً، إذ ثمة زاوية أخرى أكثر تعقيداً تراقبها أنظمة مثل إيران عن كثب، لا بوصفها تحذيراً، بل بصفتها تجربة غنية بالدروس. هذا ما خلص إليه محدثي الضابط المتقاعد، الذي يرى أن ما يجري يتجاوز كثيراً التفسير التقليدي للحرب.

التكيف الاقتصادي والعسكري: نموذج روسي ملهم لإيران

بعد سنوات من اندلاعها، لم تنهَر روسيا كما توقع البعض، بل أظهرت قدرة واضحة على التكيف. فعلى الرغم من العقوبات الاقتصادية الواسعة والعزلة السياسية، فقد تمكنت موسكو من إعادة ترتيب أولوياتها، معززة إنتاجها الداخلي، وموسعة علاقاتها مع شركاء جدد، في مقدمتهم الصين. هذا التكيف لم يكن اقتصادياً فقط، بل امتد أيضاً إلى البنية العسكرية والأمنية، حيث طورت روسيا أساليبها القتالية، وأعادت تنظيم قدراتها بما يتلاءم مع واقع حرب طويلة.

ويقول إن هذه التجربة تبدو محل اهتمام خاص لدى إيران، التي تملك بدورها تاريخاً طويلاً في التعامل مع العقوبات والضغوط الدولية. فطهران ليست غريبة عن العمل في بيئة مقيدة، بل اعتادت إيجاد بدائل، سواء عبر شبكات تجارية غير تقليدية أو من خلال تطوير صناعات محلية لتعويض النقص. ومن هنا، فإن ما تراه في التجربة الروسية قد يعزز قناعتها بأن الضغوط الخارجية، مهما بلغت، لا تعني بالضرورة انهيار النظام.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

الدروس العسكرية: تطور الطائرات المسيرة وتبادل الخبرات

في الجانب العسكري، تبدو الدروس أكثر وضوحاً، فقد شهدت الحرب في أوكرانيا تطوراً لافتاً في استخدام الطائرات المسيرة، التي تحولت إلى عنصر أساسي في العمليات القتالية. وكانت إيران قد لعبت دوراً مبكراً في هذا المجال، من خلال تزويد روسيا بمسيرات استخدمت في استهداف البنية التحتية الأوكرانية. لكن هذا التعاون لم يتوقف عند حدود التوريد، بل تطور، على ما يبدو، ليشمل تبادل الخبرات وتحسين الأداء.

ويشرح محدثي أن روسيا عملت على تعديل هذه المسيرات وزيادة فاعليتها، سواء من حيث المدى أو الدقة، كما وسعت إنتاجها محلياً، مما أتاح استخدامها بكثافة أكبر. وفي المقابل، حصلت إيران على فرصة نادرة لاختبار تقنياتها في ظروف ميدانية حقيقية، ومواجهة أنظمة دفاعية متقدمة. وهذه التجربة العملية تتيح لطهران فهم نقاط القوة والضعف في أنظمتها، والعمل على تطويرها بوتيرة أسرع.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

الابتكار في مجالات متعددة: من الحرب الإلكترونية إلى الصواريخ

ولا يقتصر الأمر على الطائرات المسيرة، فالحرب دفعت روسيا إلى الابتكار في مجالات متعددة، من الحرب الإلكترونية، إلى إنتاج الصواريخ، وحتى تعديل أساليب القيادة والسيطرة. وهذه التحولات، وإن جاءت تحت ضغط المعركة، تعكس قدرة واضحة على التعلم والتكيف، وهي قدرة تراقبها إيران باهتمام، لا سيما أنها تعتمد منذ سنوات على استراتيجيات غير تقليدية في مواجهة خصومها.

صمود الأنظمة: قدرة روسيا على امتصاص الصدمات

إلى جانب ذلك، تقدم التجربة الروسية درساً مهماً في قدرة الأنظمة على الصمود. فبينما يراهن البعض على أن العقوبات والخسائر العسكرية ستؤدي في النهاية إلى تغيير سياسي، تظهر روسيا أن الأنظمة المركزية القوية قادرة على امتصاص الصدمات ونقل أعبائها إلى الداخل، من دون أن تفقد تماسكها. بل إن بعض المؤشرات تشير إلى أن الاقتصاد الروسي أعاد توجيه نفسه نحو الداخل، ونجح في الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار.

ويضيف أن هذا الواقع قد يشجع إيران على تبني مقاربة مشابهة، تقوم على فكرة أن الزمن يعمل لصالحها، وأن بإمكانها تحمل الضغوط لفترة طويلة. مثل هذا التصور قد يدفعها إلى مواقف أكثر تشدداً، انطلاقاً من قناعة بأن الكلفة، مهما ارتفعت، تبقى قابلة للإدارة.

تعزيز الأمن الداخلي: دور الأجهزة الأمنية في زمن الحرب

أما الجانب الأكثر حساسية فيتمثل، كما يقول محدثي، في دور الأجهزة الأمنية، فقد أظهرت الحرب في روسيا كيف يمكن للصراع أن يعزز قبضة الدولة على المجتمع. فمع استمرار القتال جرى تضييق الخناق على وسائل الإعلام المستقلة، وتشديد الرقابة، وتوسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية، مما أدى إلى تراجع مساحة المعارضة إلى حد كبير.

وهذا النمط ليس غريباً على إيران، التي تعتمد أصلاً على أجهزة أمنية قوية للحفاظ على استقرار النظام. لكن ما تقدمه التجربة الروسية هو نموذج لكيفية توظيف الحرب، أو حتى التهديد المستمر بها، لتبرير مزيد من التشدد الداخلي. ففي مثل هذه الظروف يصبح الأمن أولوية مطلقة، وتقدم الإجراءات القمعية على أنها ضرورة لحماية الدولة.

معادلة دقيقة: حرب خارجية وقبضة داخلية

وهكذا تتشكل معادلة دقيقة: حرب في الخارج تقابلها قبضة أشد في الداخل، مما يمنح النظام قدرة أكبر على الاستمرار. لكن بثمن داخلي واضح.

تحديات جديدة للولايات المتحدة: فاعلية العقوبات والضغوط

في ضوء هذه المعطيات، تبدو الصورة أعقد مما قد توحي به القراءة الأولى للحرب في أوكرانيا. فبدل أن تكون هذه الحرب رادعاً للأنظمة التي تفكر في خوض صراعات مشابهة، قد تتحول إلى مصدر إلهام، يقدم نموذجاً لكيفية التكيف مع الضغوط والاستمرار رغم التحديات.

وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، يطرح هذا الواقع تساؤلات جدية حول فاعلية أدواتها التقليدية، مثل العقوبات والضغوط الاقتصادية. فإذا كانت الأنظمة المستهدفة قادرة على التكيف، بل على تحويل الأزمات إلى فرص لتعزيز قدراتها، فإن هذه الأدوات قد لا تحقق النتائج المرجوة.

الخطر الحقيقي: استيعاب إيران للتجربة الروسية

في النهاية، لا تكمن الخطورة في أن تسيء إيران فهم ما يجري في أوكرانيا، بل في أن تستوعبه جيداً. فإذا قرأت التجربة الروسية على أنها دليل على إمكانية الصمود والتعزيز، فإن المرحلة المقبلة قد تحمل تحديات أكبر، في ظل خصم أكثر خبرة، وأكثر قدرة على التكيف، وأشد استعداداً لتحمل كلفة المواجهة.

ويختم محدثي بالإشارة إلى أن تداخل الأبعاد العسكرية والاقتصادية والأمنية في هذه التجربة يمنحها طابعاً شاملاً يصعب تجاهله. فالحرب لم تعد مجرد مواجهة ميدانية، بل أصبحت إطاراً لإعادة تشكيل الدولة من الداخل، وصياغة علاقاتها في الخارج. وإذا كانت إيران تمضي في هذا الاتجاه، مستفيدة من دروس الآخرين، فإن أي مواجهة مقبلة قد لا تقاس فقط بميزان القوة التقليدية، بل بمدى القدرة على الصبر والتكيف وإدارة الصراع على المدى الطويل، وهو ما يجعل المشهد أكثر تعقيداً وحساسية.