التجارب البشرية في مواجهة الحروب: رحلة بين الضرورة والاستنزاف
لم تكن الحروبُ في يومٍ من الأيام عبر التاريخ البشري حدثاً أساسياً أو محتوماً، بل ظاهرةً معقدةً تتداخل فيها العوامل السياسية والاجتماعية. ومع ذلك، فإن ثمة حكماءَ على مر العصور استطاعوا إدارة الأزمات ضمن سياساتٍ مدروسةٍ وأهدافٍ واضحةٍ لها أفقٌ محدّد. أما الحربُ التي تُشن من أجل الحرب نفسها، فهي ليست سوى استنزافٍ ماديٍ مرهقٍ وإرهاقٍ إنسانيٍ لا طائل من ورائه.
التداعيات المزدوجة للحروب: بين الدمار والبناء
للحروب تداعياتٌ خطيرةٌ تمسّ كيان المجتمعات، لكنها في بعض الأحيان تترتب عليها نتائجُ إيجابيةٌ على المدى البعيد. على سبيل المثال، فإن بناءَ القوانين الأممية الحديثة، وتطويرَ قوانين الأسْر، وتحديدَ حدود الحرب المشروعة، والتفريقَ بين الحرب العادلة والحرب الجائرة... كل هذه المفاهيم جاءت بعد تجارب بشرية دموية وطاحنة.
كما أن نقطةَ التحولِ الدولي نحو التعاضدِ من أجل تقليلِ أسباب الحرب، وتغليبِ نظريات التفاوض والتفاهمِ على منطق الصراع... جاءت بشكلٍ جليّ بعد «اتفاقية ويستفاليا» التاريخية، التي شكلت منعطفاً في العلاقات الدولية.
رؤية هنري كيسنجر لفلسفة السلام والتوازن
يصف هنري كيسنجر، وزير خارجية الولايات المتحدة ومستشار الأمن القومي الأميركي الراحل، تلك الحقبة بقوله: «في ممارسته المبكرة، عَكَفَ سلامُ ويستفاليا على اعتمادِ عالمٍ هوبزيٍّ، نسبةً إلى الفيلسوف توماس هوبز». ويتساءل: كيف أمكنت معايرة توازن القوة الجديد هذا؟ ويجيب بأنه لا بد من التمييز بين توازن القوة بوصفه واقعاً، وتوازن القوة بوصفه نظاماً.
ويضيف كيسنجر: «يتعين على أي نظام دولي - ليكون جديراً بالاسم - أن يصل، عاجلاً أم آجلاً، إلى التعادل، وإلا فسيبقى في حالة حرب متمادية». كما يشير إلى أن الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز في كتابه «اللفياثان» المنشور عام 1651، أي بعد سلام ويستفاليا بثلاث سنوات، قدّم نظريةً متكاملةً في هذا الصدد.
فلسفة توماس هوبز: من حرب الجميع ضد الجميع إلى العقد الاجتماعي
يتصور هوبز «حالة طبيعية» كان يغيب فيها السلطة عن الإنسان القديم، مما أدى إلى نوعٍ من «حرب الجميع ضد الجميع». وهروباً من هذا الانعدام الأمني الذي لا يُطاق، بادر الناس - وفق تنظير هوبز - إلى التنازل والتفويض للقوة السياسية، مقابل توفير الأخيرة الأمنَ لجميع من هم داخل حدود الدولة.
وهكذا رُسّخ احتكارُ الدولةِ السياديةِ للسلطة بوصفه الأسلوب الوحيد للتغلب على الخوف الأبدي من الموت العنيف والحرب. وهذا يعدّ من أهم الابتكارات المفهومية في الفلسفة السياسية: أن يثق المجتمع بساسته وقادته، وأن يتبع تعليمات المؤسسات الحكومية بعيداً عن الإرجاف السوشيالي والتحريض الآيديولوجي والمنظومات الحزبية المارقة.
لقد رأى توماس هوبز أن الانتقال نحو الدولة يتطلب الحرب على «حالة الطبيعة»، وذلك لتجنب أن يكون الإنسان ذئباً على أخيه الإنسان. وقد استقى هوبز هذه الرؤية من الحرب الأهلية الإنجليزية التي عايشها يوماً بيوم، وأثرت بشكلٍ عميقٍ على نظريته في «العقد الاجتماعي» وفلسفته بشأن الدولة.
التمييز بين الحروب: الضرورية مقابل الكارثية
ثمة فرقٌ جوهريٌ بين الحروب المضبوطة بقواعد اشتباك سياسية بحتة، والتي يقودها الحكماء، كما في حرب تحرير الكويت التي كانت حرباً ضروريةً تحاشتِ المدنيين، ولم تستهدف المؤسسات الخدمية والحيوية للشعب العراقي، وأُوقفت فور تحقيق الأهداف... وبين الحروب الكارثية التي تنشب على أسس «عقائدية» أو «عرقية» أو لأسباب تاريخية وجغرافية بحتة.
الخلاصة: الحروب كجزء من تشكيل التاريخ
الحروب لها تاريخها المشابه لبناء الدول، والصراعاتُ السياسية والحربية والثقافية تشكل جزءاً لا يتجزأ من التزاحم الأممي الذي على أساسه تشكّل التاريخ. وهذا ما يؤكده الكاتب كريس ماكناب في كتابه «مختصر تاريخ الحروب» بسردٍ مهمٍ وتحليلي.
علينا أن نتذكر أن التفاوضَ بإرادة تحقيق السلام هو جزءٌ أصيلٌ من سياسة الحرب وإدارتها بحكمةٍ وصبر، على النحو الذي تقوده دول الحكمة في الإقليم. ومع ذلك، لا يمكن تصوّر تطوّر تاريخي من دون ضرباتٍ محدودةٍ يمكن تجاوزها.
وأخيراً، يجب ألّا ننصت إلى أصوات الإرجاف الآيديولوجي العام، ولا للفيديوهات المفبركة التي تحاول تخويف الناس وإثارة الهلع. العبرة تكمن في التفويض الاجتماعي والثقةِ بالقرار والتوجهِ السياسي المطلق الذي يقود الإقليم نحو برّ الأمان والاستقرار الدائم.



