الآذريون في إيران: من الشراكة المؤجلة إلى الانفجار المحتمل في نظام الملالي
الآذريون وإيران: شراكة مؤجلة وانفجار محتمل

الآذريون في إيران: بين الشراكة المؤجلة والانفجار المؤكد

يكشف إقصاء الآذريين والبلوش والعرب في إيران عن خلل عميق في الدولة الإيرانية، حيث يتحول التنوع القومي من شراكة ممكنة إلى عامل انفجار مؤجل. ليست أزمة إيران في تنوعها القومي، بل في الطريقة التي أدار بها نظام الملالي هذا التنوع: بعقلية الاحتكار بدلاً من الشراكة، وبمنطق الإقصاء بدلاً من التعدد.

بناء الدولة على وهم الهوية الواحدة

لقد بُنيت الدولة الإيرانية على وهم "هوية واحدة" تُدار من مركز واحد، بينما الواقع أكثر تعقيدًا بكثير. وفي قلب هذا التناقض يقف الآذريون، لا كأقلية هامشية، بل كمرآة تكشف خلل النظام ذاته. فحين يُقصى طرف يملك هذا الحجم البشري والنفوذ المؤسسي، فإن المشكلة لا تكون في الطرف، بل في بنية السلطة التي تخشى الاعتراف به.

الآذريون ليسوا ضيوفًا في إيران، بل شركاء في صنعها. ومع ذلك، يُطلب منهم أن يكونوا نسخة باهتة من هوية مفروضة، أن يتحدثوا لغة غير لغتهم في المدارس، وأن يذوبوا ثقافيًا في قالب لا يمثلهم بالكامل. هذا ليس اندماجًا، بل تذويب قسري ناعم، يُدار عبر التعليم والإعلام والسياسات العامة.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

جوهر الإقصاء: إعادة تشكيل الوعي

هنا يتجلى جوهر الإقصاء: ليس في المنع المباشر فقط، بل في إعادة تشكيل الوعي بحيث يبدو المختلف خطأ يجب تصحيحه. المفارقة أن النظام الذي يرفع شعار "حماية المستضعفين" يمارس تمييزًا بنيويًا ضد مكوناته الداخلية. الآذري يُقبل حين يكون جزءًا من آلة الدولة، لكنه يُقابل بالريبة حين يتحدث عن خصوصيته.

هذا الشرط المزدوج، الولاء مقابل الصمت، هو جوهر الإقصاء. إنه عقد غير مكتوب: يمكنك أن تكون جزءًا من القوة، لكن ليس من الهوية. هذا المنطق لا يقتصر على الآذريين.

معاناة البلوش والعرب في إيران

البلوش، في جنوب شرق البلاد، يواجهون نسخة أكثر قسوة من الإقصاء: فقر ممنهج، وتهميش تنموي، وحضور أمني خانق. هناك، لا يُطلب من الفرد أن يذوب فقط، بل أن يقبل بواقع يُبقيه في الهامش. وحين يحتج، يُوصم ويُطارد، وكأن المطالبة بالحقوق جريمة.

في هذه البيئة، يصبح التمرد خيارًا شبه حتمي، ليس بدافع الأيديولوجيا، بل بدافع البقاء. أما العرب في الجنوب الغربي، حيث تتدفق ثروة النفط والغاز، فيعيشون تناقضًا صارخًا: أرضهم تغذي اقتصاد الدولة، لكنهم لا يحصدون من هذه الثروة إلا التهميش.

الإقصاء العرقي والاقتصادي والثقافي

الإقصاء هنا يأخذ طابعًا عرقيًا واقتصاديًا وثقافيًا في آن واحد. يُطلب منهم أن يكونوا جزءًا من الدولة حين يتعلق الأمر بالإنتاج، لكن يتم تهميشهم حين يتعلق الأمر بالتمثيل والقرار. إنها معادلة غير متوازنة، تُنتج احتقانًا يتراكم عامًا بعد عام.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

في هذا المشهد، يبدو نظام الملالي وكأنه يدير دولة متعددة القوميات بعقلية أحادية مغلقة. لا يعترف بالتنوع كقوة، بل يتعامل معه كتهديد يجب ضبطه. لذلك، بدل أن يبني عقدًا وطنيًا قائمًا على الشراكة، يعتمد على مزيج من الاحتواء الانتقائي والقوة الأمنية.

تأجيل الانفجار لا إلغاؤه

هذه السياسة قد تنجح في تأجيل الانفجار، لكنها لا تلغيه. إذا تحرك الآذريون، فإنهم لا يخرجون من الهامش إلى المركز، بل يتحركون داخل المركز نفسه. وهنا تكمن خطورة الأمر على منطق الإقصاء.

لأن النظام الذي اعتاد أن يواجه الاحتجاجات في الأطراف، يجد نفسه أمام خلل داخلي لا يمكن عزله أو قمعه بسهولة. الآذري الذي كان جزءًا من المؤسسة، حين يطالب بحقه، لا يمكن وصفه بالانفصالي ببساطة، ولا يمكن التعامل معه بالأدوات نفسها التي تُستخدم في الأطراف.

هشاشة النموذج الإقصائي

وفي اللحظة التي يتزامن فيها هذا الحراك مع اضطرابات في مناطق البلوش أو العرب، تتكشف هشاشة النموذج بالكامل. الأطراف تضغط، والمركز يهتز، ومنطق الإقصاء يفقد قدرته على السيطرة.

لأن هذا المنطق قائم على فرضية أن الدولة تستطيع التعامل مع كل مكون على حدة، بينما الواقع قد يفرض عليها مواجهة الجميع في وقت واحد. الإقصاء ليس مجرد خطأ سياسي، بل خلل استراتيجي.

تحويل التنوع من قوة إلى تهديد

لأنه يُحوّل التنوع من مصدر قوة إلى مصدر تهديد. الدولة التي تعترف بتعددها، توزع الأعباء والمسؤوليات، وتبني ولاءات متقاطعة. أما الدولة التي تقمع هذا التعدد، فإنها تدفع مكوناتها إلى البحث عن بدائل، سواء داخل النظام أو خارجه.

ومع مرور الوقت، تتآكل شرعية المركز، ليس لأنه ضعيف عسكريًا، بل لأنه غير قادر على تمثيل الجميع. الآذريون، بحكم موقعهم، يمثلون اختبارًا حقيقيًا لهذا النموذج.

اختبار الآذريين للنظام

إذا استمروا في القبول بالمعادلة الحالية، فإن النظام سيستمر في إدارة التوازنات الهشة. أما إذا قرروا كسر الصمت والمطالبة بدور يتناسب مع وزنهم الحقيقي، فإن منطق الإقصاء سيتعرض لصدمة لا يمكن امتصاصها بسهولة.

لأن المطالبة لن تأتي من الخارج، بل من داخل البنية نفسها. في تلك اللحظة، لن يكون السؤال كيف تقمع الدولة احتجاجًا هنا أو هناك، بل كيف تعيد تعريف نفسها.

التحدي الحقيقي: إعادة تعريف الدولة

هل تستمر في نموذج الإقصاء حتى النهاية، مع ما يحمله ذلك من مخاطر التفكك، أم تتحول إلى نموذج يعترف بتعدد مكوناته ويعيد توزيع السلطة بينها؟ هذا هو التحدي الحقيقي، وليس مجرد إدارة أزمة عابرة.

إيران ليست دولة أحادية، مهما حاولت السلطة تصويرها كذلك. هي فسيفساء معقدة، وكل قطعة فيها تحمل تاريخًا وهوية وذاكرة. تجاهل هذه الحقيقة لا يلغيها، بل يؤجل لحظة مواجهتها.

الواقع يجب الاعتراف به

والآذريون، ومعهم البلوش والعرب، ليسوا مشكلة يجب حلها، بل واقع يجب الاعتراف به. لكن في ظل عقلية إقصائية، يتحول الواقع إلى تهديد، وتتحول الدولة إلى ساحة توتر دائم.

إذا تحرك الآذريون، فإنهم لا يسقطون دولة بالمعنى التقليدي، بل يسقطون فكرة: فكرة أن بإمكان نظام مغلق أن يحكم مجتمعًا مفتوحًا ومتعددًا دون أن يدفع الثمن. وفي لحظة سقوط هذه الفكرة، تبدأ مرحلة جديدة، ليس فقط لإيران، بل لكل المنطقة التي تراقب كيف يمكن للتنوع أن يكون إما مصدر قوة أو شرارة انهيار.