الميليشيات المسلحة: تحول خطير من التشكيلات الطارئة إلى بنى نفوذ متكاملة
لم تعد الميليشيات في العديد من البلدان مجرد تشكيلات مسلحة نشأت في لحظات الاضطراب الأمني، بل تحولت مع مرور الوقت إلى بنى نفوذ متكاملة تشمل السلاح والمال والأيديولوجيا وشبكات المصالح، مع قدرة كبيرة على اختراق مؤسسات الدولة أو تطويعها لخدمة أغراضها. هذا التحول يجعل القضية ليست أمنية فحسب، بل سياسية واقتصادية وسيادية في آن واحد، حيث يتحول السلاح المقترن بالتمويل والغطاء الأيديولوجي والوظيفة الإقليمية إلى مشروع حكم موازٍ، بدلاً من كونه قوة طارئة تنتهي بانتهاء مبرراتها.
السياق الاجتماعي والاقتصادي لازدهار الميليشيات
استفادت هذه التشكيلات المسلحة من سنوات الفوضى وانهيار الثقة بين المواطن والدولة، بالإضافة إلى العجز المزمن في بناء اقتصاد منتج يستوعب الشباب. عندما تتراجع الصناعة وتهمش الزراعة ويضيق أفق العمل الحقيقي، يصبح حمل السلاح وظيفة بديلة تمنح الراتب والهوية والشعور بالقوة لبعض الفئات. وبالتالي، لم يعد الانخراط في الميليشيات تعبيراً عن قناعة عقائدية فقط، بل عن حاجة اجتماعية صنعتها دولة ريعية ضعيفة وعمقتها بيئة سياسية اعتمدت على التعبئة المذهبية والشعارات الكبرى بدلاً من بناء مؤسسات حديثة وفرص إنتاج واستقرار.
الدولة العميقة الموازية: اختراق المؤسسات وتأثيرها
الأخطر من ذلك أن رعاة هذه الظاهرة في بلدان مثل العراق ولبنان واليمن لم يتعاملوا مع الميليشيات كتشكيلات قتالية مؤقتة، بل كأدوات لبناء دولة عميقة موازية. هذه الدولة الموازية تمسك بالمنافذ وتؤثر في القرارات وتتغلغل في الإدارات وتفرض منطقها على السياسة والاقتصاد، بينما تترك في الواجهة دولة رسمية هشة من حكومة وبرلمان وقضاء. عندما تبدو المؤسسات قائمة شكلياً بينما تُدار فعلياً تحت ضغط السلاح والولاء والشبكات المالية، تصبح الأزمة أزمة دولة مخترقة من الداخل، وليست مجرد انفلات أمني.
التوسع الاقتصادي والوظائف الإقليمية للميليشيات
من هنا يمكن فهم الهوس بتكثير الفصائل المسلحة وتوسيع مكاتبها الاقتصادية وتمدّدها في المنافذ والمعابر والعقود والتجارة. الميليشيا التي تحصل على شرعية السلاح ثم على غطاء الموازنة ثم على حصتها من الاقتصاد الموازي لا تعود معنية بعودة الدولة كاملة الصلاحيات، لأن اكتمال الدولة يعني تقلص مجالها الحيوي. لذلك، ازدهرت الإتاوات والجبايات والتهريب، وتحول السلاح من ذريعة حماية إلى أداة نفوذ، بينما أعيد إنتاج البطالة والتهميش بطريقة تجعل الميليشيا نفسها ملاذاً لكثير من العاطلين عن العمل، برواتب غير منتجة وتكلفة وطنية باهظة.
الشعارات المعلنة والواقع الفعلي: فجوة خطيرة
أما الشعارات المعلنة، مثل الدفاع عن الدولة أو حماية العقيدة أو مقاومة الإرهاب، فقد فقدت كثيراً من معناها حين انتهى الخطر الذي استخدمت لمواجهته، وبقيت البنية المسلحة تتسع بدلاً من أن تنكمش. الإرهاب الذي شنت الحرب ضده تراجع كتهديد وجودي منذ إعلان النصر عليه في نهاية 2017، لكن منطق التعبئة لم يتراجع، بل جرى توظيفه لتبرير بقاء السلاح خارج منطق الدولة، ثم لتوسيع دوره في الداخل، وتحويله إلى ورقة ضغط على القرار الوطني، وإلى أداة تدخل في ملفات لا صلة لها بالدفاع عن المجتمع أو حماية السيادة.
الدور الإقليمي والأذرع الخارجية: تهديد السيادة الوطنية
في هذا السياق تحديداً، برز الدور الأخطر لبعض هذه القوى، حيث لم تكتفِ بتعطيل الدولة من الداخل، بل أدت وظيفة الأذرع الإيرانية في صراع إيران مع الولايات المتحدة. هنا لم يعد العراق ساحة لحماية نفسه، بل صار منصة لتبادل الرسائل والضغط وتصفية الحسابات. كلما احتدمت المواجهة بين طهران وواشنطن، تحركت هذه الأذرع وفق إيقاع الصراع الإقليمي، لا وفق المصلحة العراقية، مما عرض سيادة البلاد للاهتزاز ودفع العراق مراراً إلى حافة حرب لا ناقة له فيها ولا جمل. المعنى السياسي لذلك أن السلاح لم يعد مرتبطاً بقرار الدولة، بل بقرار يتجاوزها ويستخدم أرضها ومؤسساتها ومواردها، كما حصل في الهجمات العدوانية على المملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج.
استهداف إقليم كردستان: رسائل مركبة وفشل مكشوف
ولم يكن إقليم كردستان بعيداً عن هذا المسار، بل كان في أحيان كثيرة أحد أبرز أهدافه. الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة على بيوت المواطنين والفنادق وحقول النفط والغاز والمصافي وقوات البيشمركة، والتي تجاوزت 700 طائرة انتحارية وصاروخ، لم تكن مجرد أعمال عدائية متفرقة، بل رسائل مركبة. رغم أزماتها، يمثل الإقليم نموذجاً أكثر استقراراً وانفتاحاً وقابلية للحياة، ومن هنا بدا استهدافه جزءاً من محاولة معاقبة أي تجربة تكشف، بالفعل لا بالشعار، حجم الفشل الذي كرسته قوى السلاح في بقية مفاصل البلاد.
التأثير السياسي وتكلفة المساءلة: تحديات إضافية
وما يفاقم المشهد أن هذه البنية لم تكتفِ بالتمدّد الأمني، بل دخلت أيضاً إلى السياسة، فصارت قادرةً على تعطيل تشكيل الحكومات أو التأثير فيها، وعلى حماية شبكاتها داخل الإدارة والاقتصاد، وعلى فرض مناخ عام يجعل مساءلتها أمراً شديد التكلفة. هذا يجعل المعركة ضد الميليشيات معقدة ومتعددة الأبعاد.
الخلاصة: ضرورة حصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية
خلاصة الأمر أن الميليشيات لا تزدهر في الفراغ فقط، بل في الدولة الضعيفة والاقتصاد المشلول والخطاب التعبوي والارتباطات الخارجية. لذلك، فإن المعركة ليست ضد فائض السلاح وحده، بل ضد المنظومة التي جعلت من السلاح اقتصاداً، ومن الاقتصاد ولاءً، ومن الولاء بديلاً عن الدولة. لا بد إذن من حصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية؛ لأن ما حصل من تدمير لم يكن بسبب وجود الميليشيات وحده، بل نجاحها في إقناع كثيرين بأنها قدر لا يمكن تجاوزه، بينما هي، في الحقيقة، أحد أبرز أسباب الانهيار. يجب العمل على تعزيز مؤسسات الدولة وبناء اقتصاد منتج لمواجهة هذا التحدي الخطير.



