ليبيا في قلب الحرب الثقافية: صراع الهوية والمرجعية بعد سقوط النظام
ليبيا والحرب الثقافية: صراع الهوية بعد 2011 (19.03.2026)

ليبيا والحرب الثقافية: صراع الهوية والمرجعية بعد سقوط النظام

هل تشهد ليبيا حرباً ثقافية؟ إذا كان الجواب بالإيجاب، فإن ليبيا لا تختلف عن العديد من الشعوب والأمم التي تمر بحروب ثقافية، لكن ما يميزها هو أن الأطراف المتصارعة لم تلجأ إلى النقاش والحوار، بل اندفعت منذ البداية نحو حمل السلاح، مما فتح الباب على مصراعيه أمام وحش الحرب الأهلية والانقسام الجهوي.

الحروب الثقافية: صراع على الشرعية الأخلاقية

الحروب الثقافية ليست مجرد خلافات عابرة، بل هي صراع عميق على الشرعية الأخلاقية، ومن يملك الحق في تعريف هوية المجتمع وقيمه. التاريخ الإسلامي مليء بصراعات لم تكن عسكرية بقدر ما كانت حروباً ثقافية حول هوية المجتمع، مصدر السلطة، والعلاقة بين العقل والنقل، وقد شكلت هذه الصراعات المذاهب والمدارس الفكرية التي نعرفها اليوم.

في كتابه الحروب الثقافية: الصراع لتعريف أميركا الصادر عام 1991، يوضح عالم الاجتماع الأميركي جيمس ديفيدسون هنتر أن الحروب الثقافية تبدأ عادة بما أسماه العنف الرمزي، وهو محاولة كل طرف في المجتمع نزع الشرعية عن الطرف الآخر، وتصويره كعدو للوطن أو الأخلاق.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

التوافق القيمي وانهياره في ليبيا

يحذر هنتر من أن الاستقطاب الحاد يجعل الديمقراطية صعبة الممارسة، لأن الديمقراطية تتطلب حداً أدنى من التوافق القيمي، وهو ما تفتقر إليه الحروب الثقافية. التوافق القيمي يعني حالة من الاتفاق العام بين أغلبية أفراد المجتمع على مجموعة من المبادئ والأهداف والقواعد الأساسية التي تحدد ما هو صح وما هو خطأ، وما هو مهم وما هو ثانوي.

بمعنى آخر، هو الميثاق غير المكتوب الذي يجعل الأفراد يتعايشون دون الحاجة للصراع الدائم حول بديهيات الحياة اليومية. يحدث الانهيار عندما تظهر فجوة جيلية حادة، أو نتيجة هجرات كبرى غير مندمجة، أو نشوب حروب ثقافية حيث تبدأ كل مجموعة في المجتمع بتبني منظومة قيمية خاصة بها تعادي المنظومة الأخرى، مما يؤدي إلى الاستقطاب الحاد.

الصراع في ليبيا بعد 2011: أعمق من السلطة والنفط

الصراع في ليبيا، بعد انتفاضة فبراير 2011 وسقوط النظام العسكري، أعمق في رأيي من الصراع على السلطة أو النفط، خاصة بعد انفراط العقد الاجتماعي الذي كان يربط الليبيين قسرياً. نظام القذافي فرض على الليبيين توافقاً قيمياً بالقوة، وجعله مرجعية وحيدة للهوية والسياسة عبر الكتاب الأخضر كنظرية ومنهج.

بعد سقوط النظام في 2011، سقطت معه تلك المرجعية، ووجد الليبيون أنفسهم أمام فراغ قيمي؛ نتيجة لانعدام وجود دستور وأحزاب ومؤسسات مجتمع مدني مهيأة لصياغة توافق جديد، فانفجر الصراع حول سؤالين أساسيين: من نحن؟ وكيف يجب أن نُحكم؟

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

حلقات الصراع الثقافي في ليبيا

انقسم المجتمع الليبي حول قضايا هوية كبرى، تماماً كما وصف جيمس هنتر، ولكن بصبغة محلية وفي ثلاث حلقات متداخلة:

  • حلقة الصراع الأولى: تمحورت حول المرجعية، أي دور الدين، حيث انقسم الشارع الليبي إلى شقين: شق يرى في الشريعة الإسلامية مرجعية وحيدة للدولة، وحمل راية هذا الفريق التيارات والأحزاب الإسلاموية بمختلف أطيافها، وفريق ثانٍ يؤكد على حكم مؤسس على دولة مدنية ومرجعية وطنية.
  • حلقة الصراع الثانية: تتمحور حول الانتماء، وتتجسد في الصدام بين المرجعية القبلية والجهوية وبين الدولة الحديثة؛ أي بين الانتماء للقبيلة أو الجهة، وبين الانتماء لمفهوم المواطنة في دولة مدنية مركزية.
  • حلقة الصراع الثالثة: تمحورت حول الإرث، حيث تمثلت في الانقسام الحاد بين من يرى أن فترة أربعين عاماً من حكم العقيد القذافي تعد جزءاً من التاريخ الوطني يجب احترامها الخضر، وبين من يرى أن تلك الحقبة يجب محوها الفبرايريون.

الفراغ القيمي والتدخل الخارجي

غياب التوافق القيمي حوّل الصراع في ليبيا إلى صراع وجودي؛ فكل طرف في ليبيا يرى نفسه الممثل الأخلاقي والشرعي للقيم الليبية والأحق بتولي مقاليد الأمور، ويصم الطرف الآخر بـالخيانة أو الإرهاب أو التبعية للخارج، وهو ما سماه هنتر نزع الشرعية الرمزي.

الانتقال المفاجئ والسريع بقوة السلاح من نظام شمولي فرض بالقوة توافقاً قيمياً موحداً، إلى حالة من فراغ سياسي، قاد إلى تقسيم البلاد، وأخفق في إيجاد توافق قيمي بين مختلف فئات المجتمع، وأفرز نخبة سياسية على السطح تميزت بالانتهازية السياسية وافتقارها للتجربة والخبرة، استثمرت الانقسام لخدمة مصالحها.

مع الأخذ في الاعتبار أن ثورة فبراير 2011 تميزت عن غيرها من ثورات الربيع العربي منذ البداية بالتدخل الأجنبي، ثم تحولت ليبيا فيما بعد إلى ساحة تنافس وصراع بين القوى الأجنبية، وتحول الأطراف الليبية إلى وكلاء محليين ومخالب قطط لحراسة المصالح الأجنبية والدفاع عنها.

السؤال المحوري: التدخل الخارجي أم الفراغ القيمي؟

السؤال المطروح: هل كان التدخل الخارجي سبباً في تعميق هذا الفراغ القيمي وتحويله إلى حرب أهلية، أم أن الفراغ القيمي هو الذي خلق البيئة الخصبة التي اجتذبت هذا التدخل؟ الإجابة، على الأرجح، هي الاثنان معاً في علاقة جدلية معقدة، حيث يتغذى كل منهما على الآخر، مما يجعل حل الأزمة الليبية أكثر تعقيداً ويتطلب إعادة بناء التوافق القيمي من الجذور.