بين إرث 2003 ومخاض إعادة التشكيل: هل تعود واشنطن لاقتلاع ما زرعته في العراق؟
لم يعد الحديث عن عودة الحضور الأميركي القوي إلى الملف العراقي مجرد تحليل صحفي أو قراءة في الكواليس، بل بات مؤشراً يتكرر في سلوك وتصريحات ووقائع على الأرض. غير أنّ اختزال المشهد في مسألة "فيتو" على اسمٍ بعينه، أو صراعٍ حول ترشيح شخصية مثل نوري المالكي، يبتعد كثيراً عن جوهر التحول الجاري. المسألة، في تقديري، أعمق من الأشخاص، وتتصل ببنية النظام الذي نشأ بعد 2003، وبسؤال: هل حان وقت إعادة هندسته؟
إرث 2003: هندسة النظام السياسي
عندما دخلت الولايات المتحدة العراق عام 2003، لم تكتفِ بإسقاط النظام السابق، بل أشرفت عبر الحاكم المدني بول بريمر على إعادة تشكيل الدولة ومؤسساتها. كان مجلس الحكم الانتقالي التعبير الأوضح عن هذه الهندسة الجديدة: توزيع مقاعد على أسس مذهبية وعرقية، وترسيخ مبدأ "المحاصصة" كقاعدة ناظمة للعملية السياسية. هذا النموذج لم يكن نتاج تطور داخلي عراقي بقدر ما كان انعكاساً لرؤية إدارة الاحتلال لكيفية إدارة التنوع.
مع مرور الوقت، تحولت المحاصصة من "ترتيب مؤقت" إلى بنية صلبة أنتجت طبقة سياسية عابرة للانتخابات، لكنها شديدة الارتباط بشبكات مصالح داخلية وخارجية. لم يكن النفوذ الإيراني طارئاً على مرحلة ما بعد 2003. فبحسب ما كشفه لاحقاً السفير الأميركي الأسبق زلماي خليل زاد، جرت لقاءات غير معلنة بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين قبيل الغزو لتنسيق بعض الترتيبات.
التأثير الإقليمي والتحولات الجارية
مع انسحاب القوات الأميركية في عهد باراك أوباما بين عامي 2010 و2011، بدا أن طهران حصلت على فرصة ذهبية لتكريس نفوذها السياسي والأمني عبر حلفائها في بغداد. اتفاقية صوفا أنهت الوجود القتالي الأميركي رسمياً، لكنها عملياً فتحت الباب أمام فراغ ملأته قوى مدعومة من إيران. خلال عقدين، تشكلت شبكة معقدة من المصالح، تداخل فيها السياسي بالأمني بالاقتصادي، وأصبح من الصعب الحديث عن قرار سيادي عراقي منفصل تماماً عن التأثير الإقليمي.
جاءت أحداث هجوم 7 تشرين الأول (أكتوبر) لتعيد خلط الأوراق في الإقليم. تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وتوسعت رقعة الاشتباك غير المباشر عبر الساحات العربية، وكان العراق أحد أهم هذه المسارح. في هذا السياق، يبدو أن واشنطن لم تعد تنظر إلى العراق بوصفه ملفاً مؤجلاً، بل كساحة مركزية في معركة تقليص النفوذ الإيراني.
هل تسعى واشنطن لإعادة هندسة النظام؟
السؤال هنا: هل تسعى الولايات المتحدة إلى "تعديل سلوك" الطبقة السياسية الحاكمة، أم إلى إعادة إنتاج النظام برمته؟ المؤشرات توحي بأن الطموح يتجاوز تغيير الوجوه، ليصل إلى مراجعة عميقة لقواعد اللعبة التي وُضعت عام 2003. الحديث عن "إعادة هيكلة شاملة" يصطدم بواقع معقد. فقوى "الإطار التنسيقي" وحلفاؤها لم يعودوا مجرد تحالف انتخابي، بل هم شبكة متجذرة في مؤسسات الدولة، تمتلك أدوات السلطة والمال والسلاح. أي محاولة لتقليص نفوذهم ستُواجَه بمقاومة سياسية وربما أمنية.
الإصرار على إعادة طرح أسماء مثيرة للجدل، مثل نوري المالكي، في مناخ إقليمي متوتر، يعكس، في رأيي، سوء قراءة للتحولات الجارية. فواشنطن، إن قررت فعلاً استعادة زمام المبادرة، لن تكتفي بإسقاط ترشيح هنا أو هناك، بل ستسعى إلى خلق توازنات جديدة، وربما دعم شخصيات من داخل النظام نفسه تتبنى مسار "فك الارتباط العضوي" مع طهران.
التحديات الداخلية والخارجية
لكن هل تملك الولايات المتحدة القدرة على اقتلاع منظومة ساهمت هي نفسها في بنائها؟ التجربة العراقية منذ 2003 تُظهر أن التدخلات الخارجية، مهما كانت قوية، تصطدم في النهاية بتركيبة داخلية معقدة لا يمكن هندستها بالكامل من الخارج. العراق ليس تفصيلاً في الصراع الأميركي–الإيراني، بل هو نقطة ارتكاز جيوسياسية وطاقية. ومع تحول الإقليم إلى ما يشبه "الجغرافيا السائلة"، يصبح بقاء نظام سياسي مترهل، قائم على الترضيات لا الكفاءة، عبئاً على الداخل والخارج معاً.
غير أن إعادة الهيكلة، إن حدثت، لن تكون عملية تقنية باردة، بل "جراحة سياسية" قد تُعيد فتح جراح لم تلتئم منذ 2003. فالمعادلة ليست فقط تقليص نفوذ إيران، بل بناء دولة مواطنة حقيقية تتجاوز المحاصصة، وهو هدف لم يتحقق لا تحت الرعاية الأميركية ولا تحت المظلة الإيرانية.
الخلاصة: مستقبل العراق بين الصراع والإرادة الداخلية
فقد يكون السؤال الأهم: هل تعود واشنطن بقوة؟ بل هل يمتلك العراقيون فرصة أخيرة لتحويل لحظة الصراع الدولي إلى فرصة لإعادة تأسيس دولتهم على أسس وطنية خالصة؟ فمن دون إرادة داخلية جامعة، سيبقى العراق ساحةً يُعاد تشكيلها كلما تغيرت موازين القوى، لا دولةً تُعيد هي تشكيل مصيرها. هذا المقال يستغرق قراءته حوالي 4 دقائق، ويقدم تحليلاً شاملاً للوضع الحالي والمستقبلي في العراق.



