أزمة الخبز في غزة: طوابير الذل وصراع من أجل لقمة العيش
تتفاقم أزمة الخبز في قطاع غزة بشكل غير مسبوق خلال الأسابيع الأخيرة، حيث يعاني السكان من نقص حاد في كميات الدقيق الواردة إلى القطاع نتيجة القيود المشددة على المعابر وتعطل سلاسل الإمداد بشكل كامل تقريباً.
معاناة يومية في طوابير الخبز
منذ الساعات الأولى للفجر، يبدأ محمد جادالله نزحه اليومي نحو منطقة المواصي جنوب قطاع غزة، حيث يقف في طوابير طويلة بانتظار الحصول على ربطة خبز بالكاد تسد رمق أسرته. يقول جادالله النازح من مدينة رفح: "ربطة الخبز قد تكفي أحياناً، لكنها في كثير من الأحيان لا تلبي احتياجات العائلة الأساسية".
وتصف أم محمد عيسى المشهد بأنه "طوابير الذل والإهانة"، حيث تقضي أكثر من ساعتين يومياً في الانتظار، وتطالب بتوزيع الخبز عبر نقاط بيع صغيرة موزعة في مختلف المناطق لتخفيف المعاناة عن كاهل السكان.
أسباب متعددة وراء تفاقم الأزمة
تشير التقارير إلى أن الأزمة تعود إلى عدة عوامل مترابطة:
- النقص الحاد في كميات الدقيق الواردة إلى القطاع
- القيود المشددة على المعابر الحدودية
- تعطل سلاسل الإمداد بشكل شبه كامل
- نقص الوقود اللازم لتشغيل المخابز والمطاحن
- منع إدخال الزيوت الصناعية وقطع الغيار منذ أكتوبر الماضي
ويؤكد عبد الناصر العجرمي، رئيس جمعية أصحاب المخابز في قطاع غزة، أن القطاع يعاني عجزاً حاداً في الإنتاج يصل إلى 45%، حيث تحتاج غزة إلى 450 طناً من الطحين يومياً بينما المتاح حالياً هو 260 طناً فقط.
تدخل المنظمات الإغاثية
تحاول المنظمات الإغاثية وعلى رأسها برنامج الأغذية العالمي التخفيف من حدة الأزمة عبر تشغيل عدد من المخابز المدعومة وتوزيع الخبز في نقاط محددة داخل القطاع. ويوضح ويلي نيكو، منسق الطوارئ في البرنامج، أنهم ينتجون نحو 130 ألف ربطة خبز يومياً عبر شبكة من المخابز، بما يعادل حوالي 260 ألف كيلوغرام من الخبز.
لكن هذه الكمية لا تغطي سوى 30% من الاحتياج اليومي للقطاع، ما يترك 70% يفترض أن يغطيها القطاع التجاري الذي يعاني بدوره من نقص حاد في الإمدادات.
مشكلات إضافية تعقد الأزمة
إلى جانب نقص الإمدادات، تبرز مشكلات إضافية تعقد عملية الحصول على الخبز:
- نقص "الفكة" (العملات النقدية الصغيرة) حيث تشترط المخابز الدفع النقدي بفئات محددة
- غياب كامل للحلول البديلة مثل الدفع الإلكتروني
- انتشار السوق السوداء حيث تباع ربطة الخبز المدعومة (3 شيكل) بأسعار تصل إلى 10 شيكل
- غياب العدالة في التوزيع واستغلال البعض للأزمة
تأثيرات صحية خطيرة
يحذر الخبراء من تداعيات خطيرة لهذه الأزمة على الصحة العامة، حيث أدى الاعتماد الكامل على المساعدات بدلاً من النشاط التجاري إلى ارتفاع مستويات سوء التغذية الحاد، خاصة بين الفئات الأكثر ضعفاً مثل النساء الحوامل والمرضعات والفتيات.
ويقول سالم الهواري الذي يعيل أسرة من 11 فرداً: "بعد ساعات من الانتظار، أحصل على ربطة واحدة بمعدل رغيف واحد لكل فرد يومياً، وهي كمية لا تكفي في ظل انعدام البدائل الغذائية الأخرى".
أزمة مستقبلية تلوح في الأفق
يتوقع الخبراء أن تكون الأزمة المقبلة "أزمة ماكينات" وليست طحيناً فقط، حيث أن المخابز التي لم تخضع للصيانة منذ عامين بدأت بالانهيار، وهو ما وصفه ويلي نيكو بـ"الأزمة الكبرى القادمة" التي قد تجعل توفر الطحين بلا جدوى في حال فقدت القدرة على خبزه وتوزيعه.
ويختتم توفيق دياب، النازح من بلدة خزاعة، بتساؤل مرير: "أين يذهب الطحين الذي يقال إنه يدخل القطاع؟ ولماذا يضطر المسنون للاصطفاف لساعات دون كرامة؟". تساؤلات تبقى معلقة في الهواء، فيما تظل الحياة في غزة شبه متوقفة بانتظار رغيف خبز قد يأتي… أو لا يأتي.



