مصر تفرض حظراً شاملاً على النشر في قضايا عنف أسري وجنسي لحماية خصوصية الضحايا
حظر النشر في مصر لحماية ضحايا العنف: جدل بين الحقوقيين والإعلاميين

مصر تفرض حظراً شاملاً على النشر في قضايا عنف أسري وجنسي لحماية خصوصية الضحايا

أعلنت النيابة العامة المصرية، في بيان رسمي صدر يوم الاثنين، حظر النشر في جميع وسائل الإعلام المحلية والأجنبية بشأن ثلاث وقائع عنف هزت البلاد مؤخراً. وتشمل هذه الوقائع واقعة إقدام سيدة على إنهاء حياتها في منطقة سموحة بالإسكندرية، إلى جانب قضيتين لاغتصاب فتيات قاصرات من قبل أشخاص في محيطهن الأسري.

ووفقاً للبيان الرسمي، اعتبرت النيابة أن تداول هذه الوقائع "يلقي آثاراً وتبعات سلبية على قيم الأسرة المصرية، ويسيء لمشاعر أسر الضحايا، ويؤثر عليهم وعلى خصوصياتهم ومصالحهم بصورة لا تخدم الصالح العام". ولا يشمل هذا الحظر البيانات الصادرة عن النيابة العامة نفسها، التي أكدت في بيان لاحق أنها ستتابع، من خلال وحدة الرصد التابعة لمكتبها الإعلامي، أي مخالفات لقرار الحظر.

ردود فعل متباينة بين مؤيدين ومعارضين

من جانبها، أعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، تعليقاً على واقعة سيدة الإسكندرية، أنه خاطب الجهات المعنية للمطالبة بحذف المقاطع المصورة من منصات التواصل الاجتماعي. وشدد المجلس على حظر نشر أي أخبار تتضمن التصريح باسم المتوفاة، احتراماً لحرمة وفاتها وتطبيقاً للمواثيق المهنية.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

في المقابل، يرى نقيب الصحفيين المصريين، خالد البلشي، أن حظر النشر لم ولن يكون حلاً، خاصة في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والتدفق الهائل والعابر للحدود للمعلومات والآراء. ويؤكد البلشي أن القاعدة العامة تقتضي أن تصدر قرارات حظر النشر في أضيق نطاق، بهدف منع التأثير على سير العدالة، وليس لحماية المجتمعات، التي ينبغي أن تحمي نفسها عبر التعامل المهني والجاد مع الحقائق، لا بحجبها.

من جانبها، تؤيد المحامية الحقوقية نسمة الخطيب قرار حظر النشر في هذا النوع من الوقائع، في الوقت الحالي، لحماية الضحايا من النساء والأطفال وأسرهم. وترى أن هناك جمهوراً يقلل من شأن الضحايا في وقائع العنف الأسري، كما حدث في قضية سيدة الإسكندرية، وكذلك في قضايا العنف الجنسي كاغتصاب الفتيات القاصرات.

عقوبات صارمة للمخالفين وتحديات في التنفيذ

يُعاقَب من يخالف حظر النشر بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر، وغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه (نحو 93 دولاراً) ولا تزيد على عشرة آلاف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، وفقاً لقانون العقوبات المصري. كما قد يتم حظر حسابات مواقع التواصل الاجتماعي المخالفة أو فرض غرامات تصل إلى مليون جنيه.

ويقول البلشي إنه كان يتابع، قبل صدور قرار الحظر، ما يرده من مخالفات، مضيفاً أن جميع المواقع والصحف المقيدة في نقابة الصحفيين حذفت المحتوى المخالف بعد التواصل مع رؤساء التحرير، خاصة أن جريمة انتهاك الخصوصية تُعد الأخطر في العمل الصحفي، بحسب وصفه.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

في المقابل، يرى المحامي طارق البلتاجي أن حظر النشر في مثل هذه القضايا يعدّ انتهاكاً للحق في المعرفة، مقترحاً بدلاً من ذلك إدخال تعديلات تشريعية تتضمن عقوبات محددة لضبط النشر في وسائل الإعلام، وكذلك استخدام منصات التواصل الاجتماعي في انتهاك خصوصية المتهمين والضحايا وأسرهم.

أخلاقيات التغطية الصحفية وتحديات العصر الرقمي

يقول نقيب الصحفيين المصريين، خالد البلشي، إن بعض أنماط التغطية الصحفية لهذه الوقائع شهدت خروقات خطيرة لأخلاقيات المهنة، داعياً الصحفيين إلى الالتزام بالمواثيق الإعلامية المصرية. ويوضح أن سلطة النقابة، كجهة تحقيق وتأديب، تقتصر على الصحفيين والصحف المقيدة لديها، ولا تمتد إلى أصحاب منصات التواصل الاجتماعي.

كما دعا البلشي الصحفيين إلى عدم التسابق وراء تحقيق "الترند"، لما قد يؤدي إليه ذلك من صدور "قرارات حظر نشر مدفوعة بغضب الناس من التناول غير المهني لبعض التفاصيل". ويبلغ عدد الصحفيين المشتغلين وتحت التدريب المقيدين في نقابة الصحفيين المصرية نحو 12 ألف صحفي، وهو رقم محدود مقارنة بعدد العاملين في المواقع الإلكترونية والقنوات الفضائية والمؤسسات الإعلامية الخاصة.

من جانبها، ترى الصحفية مروة فاضل، التي تعمل في إحدى وسائل الإعلام المحلية المتابعة للوقائع الثلاث، أن حالة "اللهاث وراء الترند" لدى بعض الصحفيين وأصحاب صفحات التواصل الاجتماعي أدت إلى خرق قواعد التغطية الأخلاقية، مؤكدة أنه ليس جميع الصحفيين سيلتزمون بميثاق الشرف، كما أن السلطات لن تتمكن من ضبط كل مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي.

ضوابط قانونية ومهنية للنشر

ينص الميثاق الإعلامي المصري الصادر عن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام عام 2021 على عدة ضوابط، منها:

  • حظر نشر أسماء الضحايا أو ذويهم.
  • منع نشر المقاطع المصورة التي تتضمن مشاهد عنف.
  • التأكيد على أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته.
  • احترام خصوصية أسر الضحايا.
  • الاعتماد على المصادر الرسمية.

وتشير المحامية الحقوقية والباحثة النسوية نسمة الخطيب إلى قانون حماية الشهود والمبلغين لعام 2019، الذي يكفل حماية هوياتهم وبياناتهم، وهو ما ينطبق، في هذه الحالة، على أهالي الضحايا. وتوضح أنها، بصفتها محامية في قضايا مشابهة تتعلق بالعنف الجنسي، تطلب من النيابة عدم النشر وضمان سرية البيانات والمعلومات.

من جانبه، يوضح المحامي طارق البلتاجي أن قانون الإجراءات الجنائية يحظر نشر أي وقائع قيد التحقيق تتعلق بهوية أطرافها، سواء تصريحاً أو تلميحاً، قبل صدور حكم نهائي، وذلك لمنع التأثير على سير العدالة. ويضيف أن القانون يلزم من قام بالنشر بإعادة نشر الحكم النهائي بنفس المساحة والمكان، متسائلاً: ماذا لو صدر حكم بالبراءة؟ قد لا يحظى بنفس مساحة الاتهامات التي سبق نشرها.

وينتقد البلتاجي غياب عقوبة جنائية صريحة على هذا الفعل، إذ تظل العقوبة مدنية فقط، من خلال دعاوى التعويض التي قد يرفعها المتضررون، مشيراً إلى وجود صعوبات في تنفيذ هذه الأحكام. أما بشأن موافقة أهالي الضحايا أو المتهمين على إجراء مقابلات إعلامية، فيؤكد البلتاجي أن ذلك لا يعفي الصحفي من المسؤولية، لأنه الأدرى بالضوابط المهنية.