مفارقة العودة: لماذا يعود الوافدون إلى الخليج في أوقات الحرب؟
في عالم تتسارع فيه الأحداث وتتصاعد التوترات، تبرز ظواهر اجتماعية تحير العقول وتتحدى النظريات التقليدية. واحدة من هذه الظواهر هي عودة الوافدين إلى دول مجلس التعاون الخليجي خلال فترات الحرب والصراعات، وهو أمر يبدو متناقضاً مع الغريزة البشرية الأساسية للهروب من الخطر.
مشهد المطارات: لوحات صادقة في زمن الأزمات
دعونا نترك جانباً نظريات علم الاجتماع السياسي المعقدة، ونتأمل للحظة شاشات المغادرة والوصول في المطارات العالمية. في أوقات الأزمات، تصبح هذه اللوحات أصدق مصدر للأخبار من الكتب والنشرات الإعلامية. القاعدة البشرية الغريزية، التي يتفق عليها سكان الكوكب منذ العصر الحجري، تقول: عندما تندلع الحرب وتدوي صفارات الإنذار، اهرب بحياتك! فالبشر بطبيعتهم يخشون الخطر، خاصة عندما لا تفرق الشظايا بين مواطن ومقيم.
لكن الحرب الأخيرة في المنطقة، وما رافقها من عدوان إيراني بمسيراته وصواريخه التي حاولت اختراق سماء دول الخليج، كشفت عن مفارقة سيكولوجية عميقة. في الوقت الذي كانت فيه السماء تشتعل بالاعتراضات الصاروخية، والمطارات تحت مرمى الاستهداف، حدث ما لا يصدقه عقل: الوافدون عادوا أدراجهم إلى دول الخليج! نعم، حزموا حقائبهم في بلدانهم الآمنة، وركبوا الطائرات المتجهة نحو عين العاصفة.
مقارنة مع الضفة الأخرى: هروب من وهم الأمان
لفهم حجم هذه المعجزة النفسية، دعونا نوجه الكاميرا إلى الضفة الأخرى، إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي. هناك، مع انطلاق أول صاروخ بدائي الصنع، ومع أول رنة لصفارة الإنذار، نرى مشهداً هوليوودياً للهروب العظيم. مطار بن غوريون يغص بالمستوطنين وأصحاب الجنسيات المزدوجة والوافدين الأجانب، يتدافعون لحجز أي مقعد على أي طائرة متجهة إلى أي مكان خارج الخريطة.
المجتمع هناك مبني على وهم الأمان المطلق، ومصاب بـ متلازمة الحقيبة الجاهزة. بمجرد أن يُخدش هذا الوهم، يتبخر الانتماء المزعوم، ويلجأ الجميع فوراً إلى خطة الطوارئ وجواز السفر الأجنبي. هم يهربون من دولتهم المزعومة في أوقات مجرد التصعيد، فما بالك بالحرب الشاملة؟
سر العودة: ليس الراتب بل اليقين
نعود الآن إلى مفارقة الخليج. لماذا عاد الوافدون الهنود والمصريون والفلبينيون والأوروبيون إلى الرياض والكويت وأبوظبي والدوحة وغيرها، والمشهد ينذر بالخطر؟ البعض قد يقفز ليقول: عادوا من أجل لقمة العيش. ولكن هذا تحليل ساذج لا يمت للمنطق بصلة. فلا يوجد إنسان عاقل، مهما بلغ فقره، يضع روحه على كف عفريت، أو يشتري تذكرة طيران ليقف تحت وابل من الصواريخ البالستية، لو كان لديه أدنى شك بأن هذه الدول ستنهار.
السر يا عزيزي ليس في الراتب، السر في اليقين. هؤلاء الوافدون، الذين عاشوا بيننا، خبروا تركيبة هذه الدول من الداخل. لقد عادوا لأنهم يمتلكون ثقة عمياء بأن دول مجلس التعاون الخليجي ستنتصر حتماً. لقد رأوا بأم أعينهم كيف أن هذه الدول لا تدير الأمن بالخطابات الحماسية، بل بمنظومات دفاعية جبارة، وبنية تحتية سيادية تجعل من الصواريخ المعتدية مجرد ألعاب نارية تتناثر في الفضاء قبل أن تلامس الأرض.
شهادة نجاح للمؤسسات الخليجية
لقد عادوا لأنهم يثقون في مؤسسة الدولة الخليجية. في عز الأزمة، السوبرماركت لم يفرغ من الخبز، والكهرباء لم ترمش، والإنترنت لم ينقطع، والشرطة في الشوارع تنظم السير وكأننا في يوم عطلة ربيعية. الوافد في الخليج تشرّب حالة الهدوء الإستراتيجي التي تمارسها القيادات، وأدرك أن هذه الدول ليست مشاريع ورقية قابلة للطي وقت الحروب، بل هي قلاع محصنة قادرة على حماية كل من يستظل بظلها.
إن هذه الظاهرة يجب أن تُسجل كشهادة نجاح تاريخية لدول مجلس التعاون. لقد تحولت القوة الناعمة والموثوقية الاقتصادية لهذه الدول إلى قوة نفسية صلبة في عقول الملايين. في الوقت الذي تفر فيه شعوب ودول من أوطانها في وقت السلم هرباً من الفساد والفقر، يعود الملايين إلى الخليج في وقت الحرب، لا بحثاً عن الموت، بل إيماناً لا يتزعزع بصناع الحياة، ويقيناً بأن سفينة الخليج لا تغرق.
وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل. هذه الظاهرة تذكرنا بأن الثقة والاستقرار هما أساس البقاء في عالم مضطرب.



