اعتقال أمجد يوسف خطوة نحو العدالة الانتقالية في سوريا
اعتقال أمجد يوسف خطوة نحو العدالة الانتقالية

أخيراً، تمكنت وزارة الداخلية السورية من إلقاء القبض على أمجد يوسف، أحد أبرز المطلوبين من رموز نظام بشار الأسد السابق، والذي اشتهر بارتكاب جرائم مروعة بحق السوريين خلال الحرب التي استمرت من عام 2011 حتى 2024، والتي انتهت بسقوط النظام وهروب الأسد وانهيار مؤسساته الأمنية والعسكرية، مما أدى إلى تشتت رموزه الفارين في مختلف أنحاء البلاد، حيث تمكن بعضهم من الوصول إلى بلدان أخرى والاختباء فيها.

شهرة إجرامية مستمدة من مجزرة التضامن

تستمد شهرة أمجد يوسف الإجرامية من كونه المنفذ الرئيسي في مجزرة التضامن، أحد أحياء جنوب دمشق، والتي وقعت في أبريل 2013، حيث تم اعتقال 41 شخصاً، بينهم نساء وأطفال، بشكل كيفي وإعدامهم بأساليب وحشية، ثم جمعت جثث الضحايا في حفرة وسط الحي السكني، وأضرمت النيران بها قبل ردم الحفرة على بقاياهم. ولولا صدفة انتقال شريط مصور للمجزرة إلى ناشطين، بينهم الناشطة السورية أنصار شحود والبروفسور أوغور أوميت أنغور، العاملين في مركز الهولوكوست والإبادة الجماعية بجامعة أمستردام، الذين عملوا على تحليله لمدة ثلاث سنوات وكشفوا عن دور أمجد يوسف، ثم نشروا التسجيل في صحيفة ذا غارديان البريطانية عام 2022، لكانت هذه المجزرة قد نسيت مثل غيرها من عشرات المجازر التي لا تزال تكتشف في التضامن بعد سقوط النظام.

أهمية الاعتقال في مسار العدالة

يمثل اعتقال أمجد يوسف خطوة مهمة تقارب أهمية اعتقال آخرين ممن ارتكبوا جرائم ضد السوريين، حيث يسهم في إرضاء ذوي الضحايا ويؤكد أن القانون يطال المجرمين وأن الحقوق لا تسقط بالتقادم. ومع ذلك، فإن هذه الخطوة لا تمثل معالجة كاملة للجرائم التي لحقت بالسوريين، وذلك لسببين: الأول، حجم ونوع تلك الجرائم التي تعكس اختلالات في الواقع السوري، خاصة فيما يتعلق بالتشاركية الوطنية والشعور بالانتماء، حيث كانت هذه الاختلالات حاضرة في سلوك الشبيحة وتصريحات رأس النظام الذي كرر مقولته عن المجتمع المتجانس، والتي تعني أن المؤيدين فقط هم السوريون الحقيقيون، بينما المعارضون أعداء وعملاء يستحقون القتل والتشريد. والثاني، يتعلق بالتداعيات التي تجرها هذه الجرائم ليس فقط على الضحايا بل على أسرهم وأصدقائهم، وهي تداعيات امتدت لعقود منذ جرائم نظام حافظ الأسد في السبعينيات والثمانينيات، مما خلف مآسي إنسانية وأخلاقية واجتماعية ومالية.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي
بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

العدالة الانتقالية كسبيل للعلاج

في ظل هذه البيئة الإجرامية للنظام المخلوع، يرى السوريون والمجتمع الدولي أن طريق العدالة الانتقالية هو السبيل الوحيد لعلاج حقيقي للوضع السوري، حيث يشمل محاسبة المجرمين وفرض العقوبات، ويتجاوز ذلك إلى خلق بيئة من السلم الأهلي تعيد ترتيب العلاقات على قواعد التسامح والمساواة والعدالة وجبر الضرر، وهي خطوات ضرورية لمنع تكرار ما حدث. وتتطلب هذه العملية مشاركة جميع السوريين والقوى الاجتماعية والمدنية والأهلية في أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية وقانونية، لتحويل البلاد إلى ورشة عمل متعددة المهام.

إن اعتقال أمجد يوسف وأمثاله ممن جرى اعتقالهم مؤخراً يكتسب أهمية خاصة في سياق التوجه نحو انخراط أوسع في مرحلة العدالة الانتقالية، ويتجلى ذلك في فورة المطالبات الشعبية والحقوقية بالذهاب إلى العدالة الانتقالية، وتحرك الحكومة لاعتقال المجرمين المتوارين، وإحالة الموقوفين إلى المحكمة مع وعود بمحاكمات علنية، إضافة إلى تحرك هيئة العدالة الانتقالية وتصريحات عن تطورات عملية في هذا المسار. وكل ذلك يدعو السوريين والمهتمين بالشأن السوري إلى انتظار تطورات مهمة تبدأ من بوابة العدالة الانتقالية.