إلغاء الكرت الأحمر عن إيران: دوافع أمريكية وإيرانية ومسار اتفاق محفوف بالمخاطر
إلغاء الكرت الأحمر عن إيران: دوافع ومسار اتفاق

دوافع متقاطعة خلف مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية

سعى الطرفان الأمريكي والإيراني إلى توقيع مذكرة تفاهم بدوافع مختلفة ولكن بنفس الدرجة من الحراجة، فالحصار الاقتصادي على إيران كان خانقاً للغاية وأوصل الاقتصاد والعملة إلى درجة غير مسبوقة، والجانب الأمريكي دخل مرحلة ما يشبه الورطة السياسية، ليس فقط على الجانب الإيراني الذي يستطيع أن يصبر جائعاً إلى حد لا يمنح ترمب هدية الاستسلام، وهو ما عنونت به مقالي في مارس الماضي وبعد عشرة أيام من انطلاق المعركة «كأس العالم وكأس السم».

كان هناك عامل أكثر إزعاجاً وهو رغبة نتنياهو في حالة المعركة اللا منتهية، حيث يرى المسار الاستراتيجي الذي تسير به إدارة ترمب منذ أشهر، عبر مساعي وقف إطلاق النار في كل من غزة وبيروت، ثم الاتفاق الذي وقعته مع الحوثيين إبان اعتراضهم لبعض الناقلات في العام الماضي، وصولاً لمذكرة التفاهم مع إيران كتمهيد لاتفاق شامل، هو ضد مصالح نتنياهو أولاً وإسرائيل ثانياً، وإن بدا ترمب أكبر حليف داعم في معارك إسرائيل، لكنّ إنهاءها في نقطة ما تبقى مصلحة لرجل يطمح في نوبل للسلام.

مسرحية التأبين والصراع على الرواية

ولهذا حرص نتنياهو ووزير دفاعه أن يكررا بأنهم من كانوا وراء اغتيال المرشد علي خامنئي، تزامناً مع السماح الأمريكي للإيرانيين بالقيام بالجنازة لفترة أسبوع دون تصعيد عسكري، وهو ما استغله الإيرانيون للخروج بشكل مسرحي، يذكرنا بمشهدية حماس وهي تعيد الأسرى الإسرائيليين بعد هجوم 7 أكتوبر، ليشعرك بأن الإبهار البصري في مراسم التأبين أو إعادة الأسرى نصر ولو كان ثمنه آلاف القتلى والجرحى والخراب.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

وإن كان أنطونيو غوتيريش أمين عام الأمم المتحدة مشهور بعبارة «الشعور بالقلق»، فإن الرئيس ترمب لن يحظى بمنافسة كبيرة على تكرار عبارة «تفاجأت» ولعل آخر مفاجآته هي رؤيته للإيرانيين يبكونه في الجنازة واعتقاده بأن الإيرانيين يكرهونه، وهو ما يفتح باب على أسئلة ثلاثة رئيسية؛ كيف بني قرار الحرب، وكيف بني قرار طريقة الحرب ومدى ضرورة التدخل البري في مرحلة ما من عدمه لحسم المعركة، وبالتالي وهو السؤال الأهم لأنه سيظل معنا لسنوات هو كيف بني قرار السلم وبالتالي أي اتفاق سيخرج؟

خلل استخباري ومرونة في الرد

فإذا كان ضرب دول الخليج والأردن بالإضافة إلى إغلاق مضيق هرمز يمثل مفاجأة لدى صانع قرار الحرب، فإن هذا يشير إلى خلل في المعلومات الاستخبارية المسبقة، فالمسألة تتجاوز بنك أهداف واغتيال قيادات، لأنك تقاتل نظاماً أولوياته هي البقاء، ولكن ما يشفع هنا هو مرونة ردة الفعل وصنع القرار، فالحصار ومنع إيران من تصدير برميل واحد لفترة امتدت لحوالى 40-50 يوماً كما صرح بذلك الرئيس الإيراني بزشكيان.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

وهذا الفهم موجود لدى العديد من الباحثين، إما مرفقاً بدعاية تقول إن نتنياهو غرر بترمب لخوض الحرب وهي من باب المكايدة والمناكفة السياسية من الديموقراطيين في الأساس، لكنها تؤثر في الرأي العام وربما شهدنا تقدم الديموقراطيين في استطلاعات الرأي للانتخابات النصفية والذي اتسع إلى 6.8 نقطة بحلول نهاية مايو، وهناك بالطبع تحليلات أعمق كالذي كتبته د.لندسي نيومان في موقع تشاتام هاوس واختارت له عنواناً لافتاً وهو «مذكرة القليل من الفهم».

الاتفاق المنتظر: بين الكرامة والحسم

الأكثر إلحاحاً اليوم هو ما مدى الفهم للاتفاق الذي من الممكن أن توقع عليه إيران بشكل يحفظ كرامتها، وعلى شكل موازٍ يحقق اتفاقاً ممتداً وراسخاً وحاسماً هو ملفات النووي والصواريخ والمسيّرات بالإضافة إلى التدخل في شؤون المنطقة، حتى لا تكون أول خطوة إيرانية بعد رفع العقوبات هي البدء في ضخ الدماء في الأذرع في المنطقة.

في غياب هذا الفهم الواضح، سيكون الاتفاق أشبه بالكرت الأحمر الذي أزيل عن اللاعب الأمريكي، لكنه لم يؤدِّ لنتيجة أفضل في مباراة بلجيكا.