سوريا في عين العاصفة: اختبارات الحرب الإقليمية وتداعياتها
تجد سوريا نفسها اليوم أمام اختبار جديد ومعقد، حيث تتقاطع فيها تداعيات الحرب الإقليمية مع تحديات إعادة البناء الداخلي. فدمشق محشورة بين معارك متعددة، تشمل الحرب بين إسرائيل وحزب الله في لبنان على حدودها الغربية، والتوتر المتصاعد بين الميليشيات والدولة في العراق شرقاً. وفي أجوائها، تتصاعد نيران المواجهات بين الطائرات الإسرائيلية والصواريخ والمسيّرات الإيرانية، مما يزيد من تعقيد المشهد.
الخسائر والمخاطر: تعليق مشاريع الإعمار وتفاقم الأزمات
في خانة الخسائر، تبدو مشاريع إعادة إعمار سوريا وتدفق الاستثمارات إليها معلقة بشكل كبير. الدول الحليفة التي تُشكّل ركيزة أساسية في عملية الإعمار، باتت منشغلة بأولوياتها الأمنية والاقتصادية الخاصة. أما الدول الأوروبية، التي تعد شريكاً ضرورياً في مسار التعافي، فهي مهمومة بتداعيات ارتفاع فاتورة الحرب الإقليمية. كل هذه العوامل تساهم في تفاقم الأزمة الاقتصادية في سوريا، مع تداعيات اجتماعية وأمنية خطيرة، بما في ذلك توفير أسباب التطرف وعودة تنظيم داعش.
ويبرز تحدي آخر يتمثل في محاولات إيران توريط سوريا في الحرب عبر المسيرات والتسريبات والميليشيات، بحثاً عن الفوضى. فطهران لم تهضم بعد خسارتها لنفوذها في سوريا الأسد، مما يؤثر على تراجع محورها الإقليمي. وإذا ما انتهت الحرب بانتصار إسرائيل، فإن ذلك سيُكرّس تل أبيب كقوة مهيمنة في المنطقة، مما يمنحها أوراق ضغط إضافية على دمشق، ويحول سوريا إلى ساحة مواجهة بين إسرائيل وتركيا، حليف العهد السوري الجديد.
الفرص الجيوسياسية: إعادة رسم خريطة الطاقة والتجارة
غيرت حرب إيران الكثير من الحسابات الإقليمية، وأبرزت فرصاً ومخاطر لا ينبغي إغفالها. فقد أعاد إغلاق مضيق هرمز وتهديد باب المندب رسم خريطة الطاقة والتجارة العالمية، وكشف فجوات الاعتماد على هذه الممرات لتصدير النفط والغاز وسلاسل الإمداد. ومن الطبيعي أن تبحث الدول المصدرة والمستوردة عن وقف العدوان الإيراني وعن مسارات بديلة لا تخضع لتهديدات طهران وميليشياتها.
وهنا تبرز سوريا كخيار جغرافي محتمل، عبر مشاريع أنابيب واتصالات وسكك حديد تمتد من الخليج مروراً بالأردن وصولاً إلى تركيا والبحر المتوسط. إذا ما تحققت هذه المسارات، فإنها ستمنح سوريا، بتموضعها الجيوسياسي الجديد، دوراً في المنظومة العالمية، إضافة إلى عائدات اقتصادية حيوية لاقتصادها المنهك. كما عززت الحرب مشروعاً مطروحاً لربط الخطوط بين السعودية وسوريا عبر الأردن، مما يوفر اتصالات أسرع ويوفر بديلاً آمناً للاستقرار الرقمي.
الاستراتيجية السورية: ترتيب البيت الداخلي وتحويل التحديات إلى فرص
منذ بدء الحرب، اختار الرئيس أحمد الشرع إبعاد سوريا عن الحريق الإقليمي مع الانحياز إلى المحور العربي، ونشر الجيش على الحدود الغربية لوأد تمدد النيران. رفضت دمشق طلبات التدخل في لبنان، مفضلة التريث لتجنب إشعال احتقان طائفي واستعادة ذاكرة سوريا الأسد. في الشرق، يمكن لسوريا لعب دور في كبح تهديدات الميليشيات العراقية للجوار العربي، مما يمنحها ثقلاً إقليمياً دون الدخول في مواجهات مباشرة.
سوريا تقف على مفترق في عاصفة إقليمية، فهي ليست طرفاً في الحرب، لكنها أيضاً ليست بمنأى عن تداعياتها. الأولوية الآن لترتيب البيت الداخلي الذي يستيقظ على اختبارات وانقسامات، والتحدي الحقيقي يكمن في تحصين الداخل وتحويل تطورات الخارج إلى رافعة استراتيجية. فالمنطقة تُعاد صياغتها على إيقاع هذه الحرب، وسوريا مطالبة بالاستفادة من الفرص المتاحة لتعزيز استقرارها وإعادة بنائها.



