الخليجيون يعيشون حرباً حاولوا منعها.. غضب وإحباط من تبعات الصراع الإيراني الأمريكي
يخيم صمت غريب على ميناء رأس الخيمة الصناعي في دولة الإمارات العربية المتحدة، بعد أن كان مركزاً بحرياً مزدهراً، حيث تقف السفن الآن راسية في صمت تام. وعلى مقربة من الأفق الضبابي، اصطفت مئات ناقلات النفط في الأيام الأخيرة، متوقفة على طول ممر مائي تغمره المخاطر والأخطار المحدقة.
مضيق هرمز.. أخطر ممر مائي في العالم
أي سفينة تتجه من رأس الخيمة إلى بحر العرب عليها أن تعبر أخطر ممر مائي في العالم للملاحة اليوم، وهو مضيق هرمز. وعلى بعد ما يزيد قليلاً عن 20 ميلاً بحرياً من رأس الخيمة، تعرضت ناقلتا نفط كانتا متجهتين إلى المضيق لهجوم صاروخي إيراني هذا الأسبوع، واشتعلت النيران في إحداهما بشكل كامل.
يوم السبت الماضي، استُهدف ميناء الفجيرة، الميناء النفطي الرئيسي لدولة الإمارات على ساحلها الشرقي، بهجوم بطائرة مسيرة، وشوهد دخان أسود كثيف يتصاعد من محطته النفطية. إنها إحدى العواقب العديدة التي تواجه دول الخليج حيث يتم جرها بشكل أعمق إلى حرب لم تبدأها وحاولت منعها دبلوماسياً بكل السبل الممكنة.
شراكة عسكرية تاريخية تتحول إلى مصدر قلق
على مدى عقود طويلة، سمحت دول خليجية للولايات المتحدة الأمريكية بإنشاء قواعد عسكرية وبنية تحتية أو الوصول إلى أراضيها، وكانت من بين أكبر مشتري الأسلحة والتكنولوجيا الأميركية المتطورة. في المقابل، وقفت الولايات المتحدة كأقرب وأهم شريك عسكري وحامٍ لمنطقة الخليج بأكملها.
لكن الآن، تتزايد مخاوف دول الخليج بشأن هذه العلاقة التاريخية، بحسب المحللين والخبراء الاستراتيجيين، بعد أن بدا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد تعمد إفشال المفاوضات الدبلوماسية السلمية لصالح بدء حرب شاملة في الشرق الأوسط.
يقول خالد المزيني، الأستاذ المشارك في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة زايد في أبوظبي: "لم يصبح التهديد الإيراني المُتصوَّر للخليج حقيقةً إلا بعد إعلان الولايات المتحدة الحرب، فإيران لم تبدأ بإطلاق النار. هناك إدانة شديدة للإيرانيين، ولكن في الوقت نفسه، هناك رسالة واضحة للأميركيين والإسرائيليين مفادها أنه يجب علينا إيجاد طريقة لإنهاء هذا الأمر. هذه ليست حربنا بأي شكل من الأشكال".محاولات دبلوماسية فاشلة وتحذيرات متكررة
في الأسابيع التي سبقت الضربات العسكرية، استضاف قادة الخليج مفاوضات مكثفة ووجّهوا دعوات متكررة للرئيس الأميركي، مؤكدين على العواقب الوخيمة على الأمن الإقليمي في حال شنّ هجوماً شاملاً على إيران. ومع ذلك، يُعتقد على نطاق واسع أن ترامب اختار تنفيذ الضربات دون استشارة أو تحذير مسبق لحلفاء الخليج التقليديين.
بينما توقعت دول الخليج أن تتأثر برد الفعل العنيف، إلا أن حجم حملة إيران الانتقامية صدم الكثيرين في الدوائر السياسية والأمنية. فقد أكدت دول الخليج لطهران بشكل رسمي أنها لن تستخدم أيًا من قواعدها في الهجمات، لكن ذلك لم يمنع إيران من إطلاق آلاف الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية التي استهدفت:
- المطارات الدولية والإقليمية
- القواعد العسكرية والحساسة
- مصافي النفط ومحطات التكرير
- الموانئ التجارية والنفطية
- الفنادق والمباني المكتبية
تداعيات اقتصادية كارثية على المنطقة
لا يزال قطاع الطيران في المنطقة يخضع لقيود مشددة، ما يُكبّد شركات الطيران خسائر فادحة بمليارات الدولارات. وتواجه البحرين أزمة اقتصادية غير مسبوقة، بينما تضررت سمعة الإمارات كملاذٍ آمن للسياحة والاستثمار الغربي بشكل كبير وخطير.
ورغم نجاح الدول في صدّ معظم الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، إلا أن أنظمة الاعتراض والدفاع الجوي المتطورة تُكلّف دولاً مثل الإمارات ما يزيد عن ملياري دولار (1.5 مليار جنيه إسترليني).
أدى الحصار الإيراني العنيف لمضيق هرمز، الممر البحري الوحيد الذي يربط الخليج بالمحيط المفتوح والذي يمر عبره خُمس إمدادات الطاقة العالمية، إلى انخفاض حاد في صادرات النفط والغاز التي تُموّل اقتصادات دول الخليج. ويُقدّر الخبراء الاقتصاديون أن الخسائر اليومية في صادرات النفط تتراوح بين 700 مليون و1.2 مليار دولار أمريكي.
موقف متناقض وسيناريو الكابوس
يؤكد المحللون الاستراتيجيون أن العديد من دول الخليج تجد نفسها في موقف متناقض للغاية: فهي تحاول تهدئة حدة الحرب بينما تضغط في الوقت نفسه على الولايات المتحدة لإنهاء المهمة في إيران وضمان عدم تركها أمام أسوأ سيناريو ممكن - جمهورية إسلامية ضعيفة وجريحة وغير مستقرة على أعتابها مباشرة.
تقول سانام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس: "هذا أسوأ كابوس لدول الخليج على الإطلاق. هناك غضب وإحباط عميقان في دول الخليج تجاه الولايات المتحدة لأن هذه ليست حربهم، ومع ذلك يتحملون وطأتها الكاملة وتبعاتها الخطيرة".
وتشير وكيل إلى أن دول الخليج سعت منذ فترة طويلة إلى إقامة شراكة أمنية مع الولايات المتحدة على غرار تلك التي تتمتع بها إسرائيل، لكنها أدركت الآن "أن ذلك قد لا يتحقق أبدًا في الواقع العملي".
آثار ملموسة على الحياة اليومية
على الرغم من التداعيات الجيوسياسية الكبيرة، فقد امتدت الآثار الاقتصادية لتشمل الحياة اليومية للمواطنين والمقيمين. يقول سومون، البالغ من العمر 27 عامًا، وهو يقف في شركة تأجير القوارب والدراجات المائية التي كان يعمل بها في المرسى المجاور لميناء رأس الخيمة، إن العمل قد تراجع بشكل كبير لأن خفر السواحل لا يسمح لأي من قواربهم بالإبحار.
"منذ أيام عديدة، مُنعت قواربنا وزوارقنا المائية من الإبحار بسبب كل هذه المشاكل والقتال مع إيران في البحر. إنه لأمرٌ سيء للغاية، فليس لدينا زبائن، ومديري لا يستطيع أن يدفع لي راتبي الشهري"، كما يقول سومون بحسرة واضحة.
ويشير سومون إلى الميناء المقابل قائلاً: "لا توجد قوارب تتحرك الآن على الإطلاق. لا أحد يعلم متى سينتهي هذا الوضع الكارثي، الجميع في حالة انتظار وترقب".
تبقى دول الخليج في مفترق طرق تاريخي، توازن بين شراكتها التقليدية مع واشنطن وضرورة البحث عن استقلال استراتيجي يحمي مصالحها في منطقة أصبحت أكثر خطورة وتعقيداً.
