لبنان في مواجهة كارثة التهجير الجماعي: تداعيات التقدم الإسرائيلي
مع تقدم الدبابات الإسرائيلية على محاور جنوب الليطاني، تلوح في الأفق معالم قاتمة تلف لبنان، الذي تعرض لعقاب جماعي من قبل إسرائيل. هذا التقدم أدى إلى تهجير قسري جماعي طويل الأمد، بلغ حده ما يقارب المليون مواطن، وهو الأسرع والأكبر في تاريخ الحروب على الأراضي اللبنانية. وقد طال هذا التهجير سكان الجنوب والضاحية الجنوبية للعاصمة، بالإضافة إلى عشرات البلدات في منطقة البقاع، مما يسلط الضوء على أزمة إنسانية عميقة.
جريمة حزب الله وتأثيرها على النسيج الاجتماعي
تظهر للبنانيين جريمة مكتملة ارتكبها حزب الله، الذي يُوصف بأنه منتهي الصلاحية الوطنية، في حق لبنان وشعبه. يواصل الحزب ارتكاب هذه الجرائم، موغلاً في دماء كل اللبنانيين وبيئتهم، وخاصة الطائفة الشيعية، بعدما نجح في ربط الاجتماع الشيعي ببنيته إلى حد كبير. صواريخ الصرفند، التي أُطلقت بأمر إيراني، أصابت صدور المواطنين ومشروع استعادة الدولة، معلنة أن لبنان قد تحول إلى ساحة مستباحة أعيد ربطها بمصالح النظام الإيراني.
هذه الصواريخ أنهت كل مفاعيل تحرير الأرض عام 2000، عندما استُعيد الشريط الحدودي الذي أقامته إسرائيل منذ عام 1978. ومع ذلك، هناك فارق نوعي؛ ففي حين استمر نحو 80 في المائة من أهالي المنطقة في بلداتهم آنذاك، باتت كل المنطقة اليوم جرداء محروقة مدمرة، لا عمران فيها ولا بشر، مما يعكس حجم الدمار الذي لحق بالبلاد.
حرب الإسناد الإيرانية وثمن الثأر
لبنان أُخذ قسراً إلى حرب إسناد جديدة للنظام الإيراني، مع إعلان أن الكلمة للميدان، وأنها لن تتوقف قبل الثأر للمرشد خامنئي. سقط المرشد في الثواني الـ35 الأولى من بدء الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، بعد فشل النظام في تأمين حماية زعيمه. اليوم، يُطلب من لبنان وأهله، وخصوصاً الشيعة، دفع فاتورة الثأر، مما يزيد من تعقيد الأزمة ويثير تساؤلات حول العدالة والمسؤولية.
قوافل الهاربين الهائمين على وجوههم بحثاً عن سقف يؤويهم تظهر صورة صادمة للأزمة. ألوف افترشوا الطرقات والساحات، مع تركيز خاص على الأطفال والمسنين، حيث يظهر الانكسار في عيونهم وهم يبحثون عن كلمة أو خبر بأن الحرب ليست طويلة. خيبة واسعة تلف أماكن الإيواء، ويُطرح السؤال: ما جريمة هؤلاء الناس؟ وهل بات البقاء في لبنان خطيئة؟
ردود الفعل والمواقف السياسية
يقابل كل هذا الوجع صلف من بعض الأطراف، حيث يعلنون: نحن لم نهرب، بل غادرنا و... سننتصر! ثم تسوق أبواق حزب الله أن ما قامت به هذه الميليشيا يندرج في سياق مواجهة استباقية. ومع ذلك، الحرب الاستباقية مقدر لها عادة أن تعطل مخططات العدو، وهذا لم يحدث. بل تذهب بعض الأبواق إلى الترويج لانتصار المقاومة، مع دعوات للعودة إلى ما كان عليه الوضع قبل 8 أكتوبر 2023.
وسط النار الآخذة في التمدد، واتساع التدمير والتهجير، وارتفاع أعداد الضحايا والجرحى، يواجه لبنان أسوأ ما يمكن أن يمر به بلد أصبح الجبهة الثانية في حرب الشرق الأوسط. الانتظار والمراوحة من جانب السلطة السياسية، واستسهال عد أن مشروع استعادة الدولة والقرار يمكن أن ينتظر، يزيد من تعقيد الأزمة. أداء جُرمي لحزب الله أخذ لبنان بعيون مفتوحة إلى الكارثة التي قد تُنهي كثيراً من لبنان كما عرفه أهله والعالم.
مستقبل لبنان: نحو نزع السلاح واستعادة الدولة
خروج لبنان من أخطر حقبة ظلامية يفترض التشدد في نزع سلاح حزب الله، وكل سلاح غير شرعي؛ لا حصر ولا احتواء. كما يتطلب تفكيك البنى العسكرية والأمنية، وإنهاء زمن التخوين وتمجيد العنف والموت الذي يلقَّن للناشئين. كل ذلك هو أساس للأجندة التي قام عليها العهد، وثمن تنفيذه سيَبقى أقل بكثير من استمرار الحرب الكارثية.
المؤكد أن تراجع السلطة عن تنفيذ قراراتها يعني نهاية مشروع الدولة. لبنان وطن لا شريك لسلطاته على أرضه، ولا يمكن إبقاؤه ساحةً لخدمة مشروعات الآخرين. هذا يتطلب أن تنتقل الحكومة إلى أداء مغاير: من دور لجنة الإغاثة، على أهميته، إلى دور القيادة السياسية والأمنية اليومية التي لا تترك، في لحظة الحقيقة، لأي جهة الاستنساب في تنفيذ القرارات.
إذّاك يتولد مناخ الصمود وحماية الأرواح وظروف التحرير والعودة الآمنة. الشرعية، بما تملك من قدرات مدعومة من الأكثرية الشعبية، قد تتمكن من فتح كُوّةِ نجاةٍ للبلد. وإلّا فستطول الحرب، مع تعذر توقع حجم الخسارة، مما يهدد مستقبل لبنان ككيان مستقر وآمن.
