كتاب الحاج أمين الحسيني يكشف حقائق تاريخية عن المؤامرات الدولية في قضية فلسطين
كتاب الحاج أمين الحسيني يكشف حقائق تاريخية عن قضية فلسطين

عودة الذاكرة إلى أيام رمضان في القاهرة ومكتبات سور الأزبكية

تعود بي الذاكرة في هذه الأيام المباركة إلى أيام رمضانية قاهرية لا تغيب عن البال، حيث ليالي حي الحسين وخان الخليلي وسور الأزبكية تظل محفورة في الوجدان. في ساعات النهار التي تسبق الإفطار، كنت أقضي وقتاً ممتعاً أتجول أمام المكتبات الشعبية المعروضة في الهواء الطلق على أرض سور الأزبكية، تلك المكتبات الحافلة بكتب قديمة ومؤلفات لم تحظ بموافقة الرقابة للتوزيع، قبل أن أنضم إلى مجلس الصديق الراحل نجيب محفوظ الذي كان يحكي مشاهد أصبحت لاحقاً جزءاً من رواياته الخالدة.

اكتشاف كتاب "حقائق عن قضية فلسطين" في المكتبات الشعبية

أعود من هذه الجولات المكتبية حاملاً بين يدي كتباً نُشرت قبل أن يصبح الفتى شاباً، كتباً يروي مؤلفوها وقائع أثْرت معرفتنا وكشفت لنا رموز مراحل مضت كان العمل الوطني والسياسي فيها مجلياً. ومن بين هذه المؤلفات النادرة التي عثرت عليها وانضمت إلى رفوف مكتبتي، كتاب بعنوان "حقائق عن قضية فلسطين" للسيد محمد أمين الحسيني، مفتي فلسطين ورئيس الهيئة العربية العليا.

صدرت الطبعة الثانية من هذا الكتاب عن مقر الهيئة في القاهرة عام 1956، مما يشير إلى أن الطبعة الأولى نفدت سريعاً بسبب توق العرب للوقوف على أحوال القضية الفلسطينية. في هذا المؤلف، وثق الحسيني أحداثاً ومواقف تاريخية تتصل بشكل عميق بالقضية الفلسطينية، مكشفاً النقاب عن حقائق ظلت مغيبة لعقود.

كشف المؤامرات الدولية ودور بريطانيا التاريخي

يضيء الكتاب على "كشف الستار عن بعض المؤامرات الدولية اليهودية التي كانت من أهم الأسباب في كارثة فلسطين"، مع تركيز خاص على دور بريطانيا في قيام إسرائيل. هذا الكشف التاريخي يسبق بعقود صحوة الضمير التي سجلها رئيس وزراء بريطانيا الحالي كير ستارمر، الذي استجاب للتوجه السعودي الحازم بشأن قيام دولة فلسطينية.

ما فعله ستارمر تمثل بإعلانه من أمام مقر الحكومة البريطانية 10 داوننغ ستريت اعتراف بريطانيا العظمى بفلسطين، تلك الدولة التي ظلت مستصغرة من قبل بعض دول العالم وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية.

أقوال القادة البريطانيين والمواقف التاريخية

تتجسد أسباب الكارثة الفلسطينية في أقوال قادة سياسيين بريطانيين بارزين، مثل ونستون تشرشل الذي يُنسب إليه قوله مراراً: "إنه يعتبر نفسه صهيونياً أصيلاً وأنه يصلّي بحرارة من أجل تحقيق أماني الصهيونية العظيمة".

كما يكشف الكتاب عن مواقف بعض قياديي "حزب العمال" البريطاني في أربعينيات القرن الماضي، مثل كليمنت أتلي وإرنست بيفين وهيو دالتون وهيربرت موريسون وأنورين بيفان وآرثر جونز، وكذلك هارولد لاسكي اليهودي الذي كان من أركان الحزب.

في مؤتمر حزب العمال الخطير في ديسمبر 1944، اتخذ المؤتمر قراراً "بتحويل فلسطين إلى دولة يهودية وإخراج سكانها العرب منها إلى الأقطار المجاورة"، وهو القرار الذي يعيد إلى الأذهان كيف أن حاييم وايزمان اتفق مع الحكومة البريطانية على تسليم فلسطين لليهود خالية من سكانها.

التصريحات الصهيونية وخطة التوسع

يذكر الكتاب بعبارة قالها دافيد بن غوريون في مارس 1942، أي قبل سنتين من مؤتمر حزب العمال المذكور: "إن الصهيونية قد انتهت من وضع خطتها النهائية وهي أن تصبح فلسطين دولة يهودية وإن اليهود لا يستغنون عن أي قسم من فلسطين، حتى قمم الجبال وأعماق البحار".

كما يسلط الضوء على صورة نشرت في صحيفة عربية تمثل الدكتور ثيودور هرتزل زعيم الحركة الصهيونية واقفاً أمام المسجد الأقصى يدعو جموع اليهود إلى دخول الهيكل.

بداية الغزو الصهيوني وأحلام التوسع

يشرح الحاج أمين كيف بدأ اليهود غزوتهم لفلسطين "بالتسلل تحت ستار الدين والتظاهر بأنهم إنما يريدون أن يكون لهم فيها وطن روحي فحسب، وكانت طلائعهم في البدء جماعات من العجزة والشيوخ".

ثم يرسم في مرحلة الأربعينيات خريطة أحلام التوسع التي تحققت جزئياً على مدى أربعة عقود تلت، مشيراً إلى أن المشروع الصهيوني لا يزال يحمل بقية خطط التوسع، إلا في حال حسم الموقف الدولي الأمر لصالح قيام دولة فلسطينية إلى جانب الدولة الإسرائيلية.

إرث الحاج أمين الحسيني واستمرار القضية

يذكر الكتاب أن الحاج أمين الحسيني توفي في بيروت عن عمر يناهز 69 عاماً، ودُفن في "مقبرة الشهداء" التي تضم جثامين قادة فلسطينيين كان لبنان ميدان حراكهم. يُحسب للحسيني أنه رمز بداية السعي الفلسطيني من أجل القضية، الذي طوره من بعده ياسر عرفات وجورج حبش وحركة حماس، كل بأسلوبه وانتمائه وتحدياته.

وتبقى القضية الفلسطينية الأساسية المستعصية تراوح مكانها، تنتظر حكماً إلهياً وقراراً دولياً حاسماً يحقق العدالة والسلام للشعب الفلسطيني.