كيف خسرت طهران الخليج؟ تحليل عميق للتصريحات والهجمات العشوائية
يقول المثل القديم: "من الأفضل أن يبقى المرء صامتًا ويظنّ الناس أنه أحمق، بدل من أن يتكلّم ويؤكّد لهم ذلك". هذا المثل يبدو اليوم وكأنه ينطبق تمامًا على الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، الذي وجّه حديثًا منشورًا عبر منصة "إكس" إلى بلدان المنطقة، قائلًا: "لسنا بصدد الاعتداء عليكم. لكن حين تُستخدم القواعد الموجودة في بلدكم ضدّنا، وحين تُنفّذ الولايات المتحدة عمليّات في المنطقة اعتمادًا على قواتها هذه، فإننا سنستهدف تلك القواعد".
انفصال عن الواقع وتداعيات خطيرة
يشير هذا التصريح إلى أن لاريجاني إما مُنفصل عن الواقع الذي رسمته الجرائم المتكررة للقوات التابعة لحكومته، أو أنه واهم لدرجة كبيرة، حيث أخطأ في تحديد الأهداف، فخلط بين فنادق الخمس نجوم في دبي، التي لا تضم قواعد عسكرية أمريكية، وبين الجنرالات الأمريكيين أو الإسرائيليين من رتبة خمس نجوم. لقد عمدت إيران إلى الرد بشكل عشوائي على الهجمات الإسرائيلية-الأمريكية التي استهدفتها خلال عطلة نهاية الأسبوع، مما جعلها تفقد، للأسف، أي فرصة لكسب تعاطف أو تضامن الدول الأخرى في المنطقة.
تصعيد غير مبرر وضرب للحلفاء
وطالت الهجمات الإيرانية حتى أقرب حلفاء طهران الإقليميين، مثل سلطنة عُمان، حيث لا توجد قاعدة عسكرية أمريكية، وكان العُمانيون يتفاوضون مؤخرًا نيابةً عن إيران ويحاولون تجنيبها ضربةً قاضية. يُشكّل هذا التصعيد خطيرًا يقوّض دور الوسطاء في جميع أنحاء العالم، ولا يقل فظاعةً عن الهجوم الإسرائيلي على دولة قطر الصيف الماضي، حين كانت الدوحة تحاول المساعدة عبر استضافتها مفاوضات مع حركة حماس لإنهاء الحرب في غزة.
إهمال التزامات السعودية وموقف حازم
بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن طهران لا تُبالي بالتزام السعودية المستمر بإعلان بكين الذي صدر عام 2023، عبر رفضها السماح باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي لمهاجمة إيران. ومن المهم التأكيد أنه، خلافًا لما يُشاع، لا توجد قواعد عسكرية أمريكية في المملكة العربية السعودية. ومع ذلك، كل هذه المعلومات لا تلقى آذانًا صاغيةً على ما يبدو.
وبالتالي، كان من المفهوم تمامًا إصدار وزارة الخارجية السعودية بيانًا أكّدت فيه بصريح العبارة أن المملكة ستتّخذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية شعبها، بما في ذلك خيار الرد على العدوان. فقد أصبح هذا الموقف يتردد صداه في العديد من العواصم الخليجية، مما يعكس قلقًا متزايدًا من التصرفات الإيرانية.
عزلة طهران وتأثيرات إقليمية
إنه لمن المؤسف أن يصل بنا الحال إلى هذا المستوى بعد أن آمنا جميعًا بأنه يمكن للمملكة العربية السعودية وإيران العمل سويًا لتحقيق الاستقرار في المنطقة. ونأمل أن تعود إيران إلى رشدها وأن تميّز بين أصدقائها وأعدائها. ومع ذلك، لا يمكننا حتى الآن إلا أن نعتبر هذا العدوان الإيراني العشوائي ضد الدول الخليجية بمثابة خطأ جسيم ارتد على طهران، فزاد من عزلتها في مرحلة حساسة.
لم يُسهم هذا التصعيد الإيراني إلا في تأكيد مخاوف من ينظرون إلى إيران على أنها مصدر الخطر الرئيسي في المنطقة، ويعتبرون برنامج الصواريخ خاصتها رمزًا دائمًا لانعدام الاستقرار. أما فيما يتعلق بالاحتجاجات في إيران، فرغم تعاطف كثيرين مع الشعب الإيراني والظروف الصعبة التي يعيشها، أكّدت الرياض أن هذه مسألةً داخليّةً ينبغي على الإيرانيين معالجتها فيما بينهم، وهو موقفٌ يتعارض مع ما قامت به طهران سابقًا حين تدخلت في الشؤون الداخلية للبلدان المجاورة.
أسئلة حول دور الولايات المتحدة وإسرائيل
وفي المقابل، لا بد من أن نسأل: هل كانت الولايات المتحدة الأمريكية محقّةً في اعتدائها على إيران، في وقتٍ كان فيه العُمانيون متفائلين بنتائج المفاوضات؟ وحده الوقت كفيلٌ بالإجابة على هذا السؤال. وهل يمكن الوثوق بإسرائيل كحليفٍ في هذه الحرب؟ يعلم الجميع أن الحكومة الإسرائيلية الحالية لديها أجندتها الخاصة، وقد أثبتت مرارًا وتكرارًا أنها لا تمانع تأجيج الأوضاع في المنطقة.
ويجد بنيامين نتنياهو في كلّ مرّة سبلًا لتجنّب المُساءلة والمحاكمات في قضايا عدّة، بدءًا من اتهامات الفساد وصولًا إلى الإخفاق الأمني في السابع من أكتوبر/تشرين الأول. الأكيد هو أن الحرب لا تصب في مصلحة السعودية ولا في مصلحة أيّ من دول مجلس التعاون الخليجي، كما نرى أن السماح بزعزعة استقرار منطقة الخليج المزدهرة لا يصبّ في مصلحة الولايات المتحدة ولا في مصلحة العالم أجمع.
حماية النموذج الخليجي المزدهر
ولا أقصد هنا أمن الطيران أو الأمن البحري وأمن الطاقة على المستوى العالمي فحسب، بل أتحدث عن النموذج المسالم والمزدهر الذي تشكّله كلّ من الرياض ودبي والدوحة وسائر العواصم الخليجيّة، وهو نموذج يجب حمايته والسعي لمحاكاته حول العالم. وتُعدّ جميع هذه الدول حليفةً للولايات المتحدة الأمريكية، كما أن بعضها يتمتّع بتصنيف "حليف رئيسي من خارج الناتو"، وللحكومات الخليجيّة الحق الكامل في الدفاع عن نفسها، إذ إن المهمة الأولى لأي حكومة هي حماية مواطنيها، لا سيما من أي عدوان غير مُبرّر.
