دبي في مواجهة العاصفة: اختبار غير مسبوق في زمن الحرب
بدأت عطلة نهاية الأسبوع في دبي كالمعتاد، مع شواطئ مكتظة وحركة نشطة على الواجهة البحرية. لكن تحت هذه الصورة الهادئة، كانت أكبر حرب إقليمية منذ غزو العراق عام 2003 تتصاعد على الجانب الآخر من الخليج، وفقاً لتقرير نشرته صحيفة "الغارديان".
حياة طبيعية وسط تصاعد الصراع
لطالما قدمت دبي نفسها كملاذ لرأس المال والاستقرار في منطقة مضطربة، معزولة عن العواصف السياسية التي تشكل الدول المجاورة. استمر هذا الوهم حتى غروب الشمس، عندما اقتربت أولى الطائرات والصواريخ الإيرانية من دول الخليج رداً على التصعيد العسكري.
تم تفعيل الدفاعات الجوية في الإمارات العربية المتحدة، وكذلك في قطر والسعودية والبحرين، حيث انطلقت طائرات اعتراضية في سماء الليل. قال العديد من السياح إنهم فوجئوا تماماً، حيث لم تُطلق صفارات الإنذار، وبينما بدأ السكان الذين لديهم أرقام هواتف محلية بتلقي تنبيهات رسمية، لم يفهم آخرون ما كان يحدث على الفور.
من "ألعاب نارية" إلى واقع مرير
"في البداية ظننا أنها ألعاب نارية"، قالت ناتاليا فيريمينكو، التي كانت تقيم بالقرب من فندق فيرمونت ذا بالم، وهو منتجع من فئة الخمس نجوم اشتعلت النيران في مدخله بعد ما بدا أنه غارة بطائرة مسيرة. اعتقدت فيريمينكو في البداية أن الحريق كان حادثًا فرديًا، وفي غضون دقائق، بدأت الشوارع تمتلئ من جديد.
لكن أجواء العطلة لم تستمر. وفي وقت لاحق من المساء، وردت أنباء عن اندلاع حرائق وتصاعد أعمدة كثيفة من الدخان في مطاري دبي وأبو ظبي بعد أن اصطدمت حطام طائرة مسيرة بالمواقع، مما أسفر عن مقتل شخص وإصابة نحو اثني عشر آخرين، وفقًا للسلطات المحلية.
تأثيرات مادية ورمزية
تصاعدت أعمدة كثيفة من الدخان من منطقة ميناء جبل علي في دبي، تاسع أكثر الموانئ ازدحاماً في العالم والأكثر ازدحاماً في الشرق الأوسط، حيث اندلع حريق في أحد الأرصفة. كما تضرر برج العرب، الذي يتميز بتصميمه الشبيه بالشراع والذي يُعتبر على نطاق واسع أشهر معالم دبي، جراء سقوط حطام طائرة مسيرة، مما أدى إلى اندلاع حريق قصير.
لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت إيران تستهدف بشكل مباشر الفنادق وغيرها من المعالم الإماراتية - وهي مصادر دخل رئيسية للإمارات - بدلاً من المنشآت العسكرية الأميركية التي تعهدت بضربها.
شرخ في صورة المدينة الآمنة
لكن بالنسبة للإمارات، مثلت الهجمات شرخاً نادراً في سمعة دبي كوجهة استثمارية جاذبة، وهي السمعة التي أمضت دول الخليج سنوات في ترسيخها. فالغالبية العظمى من سكان دبي هم من الأجانب، الذين انجذبوا إلى المدينة لما تعد به من أمان وضرائب منخفضة.
مع حلول الليل، كانت العديد من الفنادق الفاخرة تُخرج نزلائها من الغرف والشرفات المكشوفة إلى مواقف السيارات تحت الأرض وممرات الخدمات. كانت المشاهد تُشبه صوراً تُرتبط عادةً بمدن أوكرانيا، إلا أن الاستجابة هنا حملت طابعاً مميزاً.
ردود فعل متنوعة
كتبت إحدى مدونات نمط الحياة الروسية، وهي تنشر صورة لها وهي ترتدي بيجامة حريرية من قبو أحد الفنادق: "حالة طوارئ، ولكن بأسلوب عصري". قالت يكاترينا، وهي روسية مقيمة في دبي، إنها شعرت بالذعر لأول مرة عندما تلقت رسالة نصية على هاتفها في منتصف الليل تطلب منها الاحتماء في برجها السكني.
وفي موقف سياراتها، بدأت الشائعات تنتشر بأن برج خليفة، أطول مبنى في العالم، قد تعرض لهجوم - وهي مزاعم تبين لاحقاً أنها كاذبة، لكنها عكست حالة عدم اليقين التي سادت تلك الليلة.
استجابة سريعة من السلطات
بحلول الصباح، تحركت السلطات بسرعة لتهدئة الأعصاب، وطمأنت السكان والزوار بأن الوضع تحت السيطرة، وتعهدت بتعويضات عن تكاليف الرحلات الجوية للمتضررين من هذا الاضطراب. يبدو أن الدفاعات الجوية الإماراتية قد عملت بكفاءة.
وقالت وزارة الدفاع إنه تم إطلاق 137 صاروخاً و209 طائرات مسيرة باتجاه الأراضي الإماراتية، وقد اعترضت أنظمة الدفاع الجوي معظمها. كتب مغرودن على موقع X: "يمكنكم العودة إلى الحياة الطبيعية الآن. الإمارات آمنة بنسبة 100%. الحياة والأعمال مستمرة كالمعتاد".
ثقة متزعزعة ومستقبل غير مؤكد
سارع المؤثرون الغربيون المقيمون في دبي، والذين يقول بعضهم إنهم انتقلوا هرباً مما يصفونه بالمدن الأوروبية المليئة بالجريمة والضرائب المرتفعة، إلى ترديد هذه الرسالة. قال جول سوليفان، وهو أسترالي مقيم في دبي، لمتابعيه البالغ عددهم نصف مليون على إنستغرام: "تحية من نزهة ممتعة مع كلبي في أفضل مدينة وأكثرها أماناً في العالم".
لكن مع عدم ظهور أي مؤشر على تهدئة إيران للوضع، واعتقادها بوجود آلاف الطائرات المسيّرة الرخيصة في ترسانتها، فإن هذه الثقة قد تُختبر. ولا تزال المطارات مغلقة، مما ترك عشرات الآلاف من السياح عالقين دون أي جدول زمني واضح لاستئناف الرحلات الجوية.
استمرار الحياة رغم التحديات
صباح يوم الأحد، بدأ السياح بتلقي رسائل من السلطات تحثهم على البقاء في منازلهم وانتظار التعليمات. وقال بعضهم إنهم لم يكترثوا واستمروا في ممارسة أعمالهم اليومية. قال فيريمينكو: "ما زلت أخطط للذهاب إلى دبي مول للتسوق اليوم. آمل أن تنتهي هذه الأزمة قريباً".
هذا التقرير يسلط الضوء على كيف تواجه دبي اختباراً صعباً في زمن الحرب، بين الحفاظ على صورتها كمدينة آمنة ومستقرة، والواقع الجديد الذي تفرضه التطورات الإقليمية المتصاعدة.
