إيران ومحاولة تصدير الفشل: الهروب إلى الأمام من الانهيار الداخلي
في قراءة المشهد الجيوسياسي المتوتر في الشرق الأوسط، قد تخدعنا العناوين العريضة التي تصور التحركات الإيرانية عبر أذرعها وميليشياتها كاستعراض للقوة أو توسيع لمناطق النفوذ. لكن القراءة الاستراتيجية المتأنية تكشف واقعًا مغايرًا تمامًا؛ فما تفعله طهران اليوم ليس دليلًا على فائض القوة، بل هو محاولة يائسة ومكلفة لـ "تصدير الفشل" والهروب من أزماتها الداخلية الخانقة نحو الجوار الإقليمي.
أزمة الجبهة الداخلية وفقدان البوصلة
تعيش طهران اليوم حالة من الانفصال الحاد بين تطلعات الشارع الإيراني الباحث عن التنمية والاستقرار الاقتصادي، وبين سياسات النظام التي تستنزف مقدرات الدولة في مغامرات خارجية. هذا التناقض العميق خلق فجوة ثقة هائلة، وجعل النظام يواجه أزمة "شرعية" غير مسبوقة. ولأن إصلاح الداخل يتطلب تنازلات وتغييرات هيكلية يرفضها صانع القرار هناك، أصبح افتعال الأزمات الأمنية في المنطقة هو الغطاء الوحيد لفرض حالة طوارئ دائمة تبرر القبضة الأمنية في الداخل.
حرب الممرات وحماية شرايين الاقتصاد
في محاولتها لابتزاز المجتمع الدولي، تلجأ طهران إلى استهداف شرايين الاقتصاد العالمي، سواء عبر تهديد أمن الطاقة أو التشويش على الممرات البحرية وسلاسل الإمداد. هي تعتقد أن تعطيل هذه "التدفقات الحيوية" سيجبر العالم على التفاوض معها وفق شروطها. في المقابل، تدير المملكة العربية السعودية والمنظومة الخليجية هذا المشهد بوعي استراتيجي وحزم هادئ. الرياض لا تنجر إلى مستنقع الفوضى، بل تقود جهودًا إقليمية ودولية لفرض "عزلة استراتيجية" على مصادر التهديد، وتأمين حركة التجارة العالمية. وبينما تهدر طهران وقتها ومواردها في صراعات الأمس، تسابق السعودية الزمن لبناء مستقبل المنطقة واستقرارها، لتصبح عقدة اتصال اقتصادية وتكنولوجية لا غنى للعالم عنها في المستقبل القريب.
سباق الزمن وحتمية التآكل
في لغة الاستراتيجية، لا يمكن لأي ميليشيا أو أداة تخريبية أن تصمد إلى الأبد في بيئة معزولة ومحاصرة. عامل الوقت لا يلعب في صالح طهران؛ فالأدوات التي تستخدمها اليوم تتآكل فاعليتها تدريجيًا وتفقد صلاحيتها مع كل تقدم تقني ودفاعي تحققه دول الخليج. هذا "الاستنزاف الزمني" يرفع من التكلفة التي يتكبدها النظام الإيراني يوميًا، ويجعل من استثماراته في الميليشيات عبئًا اقتصاديًا وسياسيًا يثقل كاهله.
نقطة اللاعودة
إنَّ استمرار هذا العناد السياسي، والإصرار على تحدي الإرادة الدولية ومحاولة تعطيل استقرار المنطقة، يقود النظام بخطى متسارعة نحو نقطة اللاعودة. فحينما تصل الأزمات الاقتصادية وتآكل الشرعية الداخلية إلى ذروتها، وتفقد طهران قدرتها على التأثير في محيطها الخارجي بفعل العزلة المفروضة عليها، فإنها ستواجه "تأثير الدومينو"؛ انهيارًا داخليًا متسلسلًا وحتميًا لا يحتاج إلى رصاصة خارجية واحدة لإسقاطه، بل يسقط بوزن أخطائه وتناقضاته.
ما نشهده اليوم هو صراع بين مشروعين: مشروع يبني الجسور، ويؤمّن مستقبل الأجيال، ويصنع استقرارًا عالميًا، ومشروع يعيش في عزلة، ويحاول تصدير انهياره الداخلي لإنقاذ ما لا يمكن إنقاذه. هذا التحليل الاستراتيجي يؤكد أن التحركات الإيرانية الأخيرة ليست سوى محاولة يائسة للهروب من واقع داخلي متدهور، بينما تتصدر السعودية الجهود لضمان استقرار المنطقة وتأمين مصالحها الاستراتيجية على المدى الطويل.
