منظمات إغاثية دولية تغادر شمال اليمن تحت ضغوط الحوثيين ونقص التمويل
تشهد شمال اليمن موجة خروج غير مسبوقة للمنظمات الإغاثية الدولية والمحلية، في ظل ضغوط متزايدة من جماعة الحوثيين ونقص حاد في التمويل، مما يهدد بتفاقم الأزمة الإنسانية التي تعصف بالبلاد منذ سنوات.
تحديات استثنائية تواجه العمل الإنساني
تقول أمينة، وهي ناشطة يمنية تستخدم اسماً مستعاراً لحماية هويتها، إن جمعيتها الإنسانية فقدت تسعين في المئة من دخلها واضطرت إلى تسريح أغلب العاملين البالغ عددهم 450 موظفاً. وتوضح أن الحوثيين فرضوا قيوداً شديدة، بما في ذلك منع وصول المساعدات إلى المحتاجين، مما أدى إلى حرمان 1600 أسرة من الدعم المالي.
وتضيف أمينة بصوت يعتصره الألم: "كان من المستحيل تخيل أحوال النساء المعيشية في المخيمات. أردنا تقديم ملابس ومستحضرات للنظافة الشخصية، لكن الحوثيين منعوا ذلك باستخدام مبررات أمنية."
سيطرة الحوثيين على العمل الإنساني
يكشف العاملون في المنظمات الإنسانية عن محاولات الحوثيين للسيطرة على توزيع المساعدات، حيث يطالبون بتخصيص جزء من الأموال لعائلات من اختيارهم. وتقول أمينة: "رفضت ذلك لأنني لا أستطيع تبرير تقديم مساعدات لعائلات لا أعرف عنها شيئاً للمانحين." وقد أدى هذا الرفض إلى إلغاء حملات مساعدات كاملة، دون أن تحصل أي أسرة على الدعم.
ويشير أحمد القرشي، مدير منظمة سياج المحلية لحماية الطفولة، إلى أن الحوثيين عرضوا تمويلاً ومقراً جديداً لمنظمته في عام 2016، لكنه رفض لأن ذلك يعني استخدامهم كغطاء لغسل جرائمهم. وتضمنت تبعات هذا الرفض ملاحقة المنظمة ومصادرة ممتلكاتها.
تراجع التمويل الدولي وعقبات بيروقراطية
أدى قرار إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في مطلع عام 2025 بإعادة تصنيف الحوثيين كجماعة إرهابية إلى انسحاب المانحين الأمريكيين، مما خلف فجوة تمويلية كبيرة. تقول مسؤولة في منظمة إنسانية دولية طلبت عدم الكشف عن هويتها: "العمل بات مستحيلاً لأن أي دفعات لحركة أنصار الله تصبح غير قانونية على الفور."
وتضيف أن العقوبات طالت النظام المصرفي، مما جعل الوصول إلى الأموال صعباً، كما صادر الحوثيون معدات وأجهزة المنظمات عند مغادرتها، مما اضطرها للبدء من "المربع صفر" إذا قررت العودة.
انسحاب برامج أممية كبرى
بحسب مسؤول في الأمم المتحدة، قرر برنامج الأغذية العالمي إنهاء نشاطه الذي امتد لعقود في شمال اليمن بحلول نهاية مارس آذار المقبل. وكان البرنامج قد قدم مساعدات لواحد من بين كل أربعة أفراد في اليمن خلال عام 2024، مستفيداً أكثر من ثمانية ملايين شخص.
ويحذر البرنامج من أن "37% من العائلات اليمنية عانت من الحرمان الشديد من الطعام بحلول نهاية عام 2025." وقد سبق هذا الانسحاب تعليق عمليات منظمات كبرى مثل انقذوا الأطفال ولجنة الإنقاذ الدولية في شمال اليمن خلال عام 2025.
اعتقالات ومضايقات ضد العاملين
تواجه المنظمات الإنسانية مضايقات مستمرة من الحوثيين، تشمل اعتقالات ومصادرة أجهزة ومداهمة المقرات. وتقول الأمم المتحدة إن 73 من موظفيها "محتجزون تعسفياً" لدى الحوثيين، مع بعض الاعتقالات التي تعود إلى عام 2021.
يتذكر صابر، موظف سابق في منظمة انقذوا الأطفال، كيف تملكه الخوف بعد وفاة زميله هشام الحكيمي أثناء احتجازه لدى الحوثيين في أكتوبر 2023. كما توفي موظف في برنامج الأغذية العالمي أثناء الاحتجاز في فبراير من العام الماضي.
اتهامات بالجوسسة ومستقبل قاتم
اتهم زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي في أكتوبر الماضي موظفي المنظمات الإنسانية بأنهم "خلايا تجسس مدربة تنشط تحت غطاء إنساني"، مستهدفاً بشكل خاص منظمة اليونيسيف وبرنامج الأغذية العالمي. وقد رفضت الأمم المتحدة هذه المزاعم.
تدعو منظمة أوكسفام، التي احتجز الحوثيون عدداً من موظفيها، إلى تحرك دولي منسق لمواجهة الوضع الإنساني "البائس وسريع التدهور" في شمال اليمن. ويقول فاران بويغ، المدير القطري لأوكسفام: "دعم دولي أكبر حجماً وأكثر استدامة مطلوب بشدة لمنع أزمة كارثية."
تبقى آمال ملايين الأسر اليمنية معلقة، بينما يرى نشطاء مثل أمينة أن فرص بقاء المجتمع المدني المستقل في شمال اليمن تتضاءل يوماً بعد يوم.
