صراع النفوذ في القرن الأفريقي: مخاوف القاهرة من التهديدات البعيدة عن حدودها
من المفارقات الغريبة والمخيفة أن الأمن القومي لمصر يبدأ بعيداً جداً عن حدودها الجغرافية، في الوقت الذي تؤكد فيه العقيدة العسكرية المصرية على الدفاع عن النفس وعدم الهجوم على الآخرين. وبحكم موقعه الاستراتيجي المشرف على الممرات البحرية الحيوية، وارتباطه المباشر بأمن البحر الأحمر، يمثل القرن الأفريقي إحدى أكثر الدوائر الجيوسياسية تأثيراً في الأمن القومي المصري.
تطورات متسارعة وقلق مصري متزايد
تزداد أهمية منطقة القرن الأفريقي في ظل التحولات السياسية المتسارعة داخل الدول المرتبطة بها، وتصاعد الضغوط الإقليمية، واحتدام التنافس الدولي على إقامة القواعد العسكرية التي تعزز النفوذ الاستراتيجي. وتنظر القاهرة بقلق متزايد إلى ما تشهده دول القرن الأفريقي من هشاشة سياسية وصراعات داخلية وتنافس إقليمي ودولي محتدم، لما لذلك من انعكاسات مباشرة على أمن البحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس.
ويقول السفير محمد حجازي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، إن التطورات المتسارعة في القرن الأفريقي والبحر الأحمر تمس بصورة مباشرة منظومة الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط وشرق المتوسط، وخاصة الأمن القومي المصري. وأضاف أن اختلال التوازن في هذه الجغرافيا الحساسة يفتح المجال أمام تمدد الجماعات المسلحة، وتصاعد أنشطة القرصنة، وتزايد فرص عسكرة الممرات البحرية، بما يهدد حرية الملاحة ويقوض الاستقرار الاقتصادي العالمي.
لقاءات دبلوماسية وتنسيق مشترك
في هذا الإطار، استقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره الصومالي حسن شيخ محمود في الثامن من فبراير (شباط) 2026، حيث أكد الجانبان استمرار مشاركة مصر في بعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار بالصومال (AUSSOM). كما شددا على تكثيف التنسيق المشترك لمواجهة التحديات الإقليمية، مع الإشارة إلى أن مسؤولية تأمين البحر الأحمر وخليج عدن تقع حصرياً على عاتق الدول المشاطئة لهما.
وفي تأكيد على هذا التوجه، حضر وزير الدفاع المصري السابق عبد المجيد صقر، قبل يوم واحد من تعيين خليفه له، اصطفاف القوات المشاركة في مهمة حفظ السلام بالصومال، بحضور الرئيس الصومالي، ليعلن جاهزية القوات لتنفيذ مهامها بكفاءة واقتدار في مختلف الظروف.
خلافات مع إثيوبيا وموقف مصري ثابت
برز خلاف لافت بين القاهرة وأديس أبابا بشأن مستقبل البحر الأحمر على هامش أعمال القمة الـ39 للاتحاد الأفريقي في أديس أبابا. فمن جانبه، ربط رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بين استقرار القرن الأفريقي وضمان حصول بلاده على "نافذة بحرية"، معتبراً أن دولة يتجاوز عدد سكانها 130 مليون نسمة لا يمكنها تحقيق نمو مستدام من دون تنويع منافذها البحرية. وأكد أن تأمين وصول بلاده إلى البحر يجب أن يتم عبر "التعاون السلمي".
وفي المقابل، سارعت القاهرة إلى تثبيت موقفها التقليدي، مؤكدة أن مسؤولية حوكمة البحر الأحمر تقع حصراً على عاتق الدول المشاطئة له. وأوضح وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال لقاءات مع مسؤولين أفارقة على هامش القمة، أن مصر ترفض بشكل قاطع أي مساعٍ من قبل أطراف غير مطلة على البحر لفرض نفسها شريكاً في إدارة هذا الممر الحيوي.
محور ثلاثي وتنسيق مع السعودية
في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، استقبل الرئيس المصري نظيره الأريتري أسياس أفورقي، لبحث مستجدات الأوضاع في منطقة القرن الأفريقي، وأكد أهمية تكثيف التنسيق بين مصر وإريتريا، إلى جانب تعزيز التعاون مع الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر. ويشكّل هذا اللقاء امتداداً للتفاهمات التي جرت في نهاية عام 2024 في العاصمة الإريترية أسمرا، حين اجتمع قادة مصر والصومال وإريتريا، حيث انطلق آنذاك تنسيق مشترك لتأسيس محور ثلاثي يهدف إلى حماية الأمن الاستراتيجي للدول الثلاث، بما في ذلك تأمين البحر الأحمر باعتباره ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة.
وفي السياق نفسه، تناول اتصال هاتفي بين وزيري خارجية مصر والسعودية التطورات المرتبطة بأمن البحر الأحمر، حيث أكد الوزيران أهمية التنسيق بين الدول المشاطئة للحفاظ على أمن واستقرار هذا الممر البحري الحيوي وضمان حرية الملاحة والتجارة الدولية. ويعتبر خبير الشؤون الأفريقية رامي زهدي أن التنسيق المصري السعودي أقرب إلى شراكة وظيفية قائمة على المصالح المشتركة الآنية والمستقبلية، مع تقاطع واضح في الرؤى بشأن أمن البحر الأحمر.
مستقبل غير مؤكد وتحديات متعددة
بين دعوات دول للحصول على موطئ قدم بحري، وتمسك القاهرة بقصر إدارة البحر على دوله المشاطئة، يبقى ملف القرن الأفريقي والبحر الأحمر مفتوحاً على احتمالات متعددة. في ظل بيئة إقليمية تتسم بسيولة عالية وتنافس محتدم على النفوذ، تواصل مصر جهودها الدبلوماسية والعسكرية لضمان أمنها القومي وحماية مصالحها الاستراتيجية في هذه المنطقة الحيوية.



