تحوّل مضيق هرمز رمزاً لسياسة اتقنتها إيران منذ تحولها في العام 1979 إلى «جمهوريّة إسلاميّة». جديد المرحلة الراهنة ارتداد هذه السياسة، القائمة على الابتزاز، على إيران نفسها.
مضيق هرمز ملف رابع في حرب معروفة النتائج
تحوّل مضيق هرمز، الذي كان مفترضاً أن يكون مضيقاً مفتوحاً أمام العالم، إلى ملف من الملفات التي باتت موضع بحث مع إيران. قبل أن تضع إيران مضيق هرمز في الواجهة، كان هناك الملف النووي وملف الصواريخ الباليستية ومنصاتها وملف الأذرع التابعة لـ«الحرس الثوري» في المنطقة، في مقدمها «حزب الله» في لبنان. صار مضيق هرمز ملفاً رابعاً في حرب معروف كيف بدأت ولماذا بدأت، كما أنه معروف كيف ستنتهي... يعود ذلك إلى إصرار إدارة دونالد ترامب على تصفية حسابات قديمة مع إيران، بينها نسف سفارتها في بيروت ومقر المارينز قرب مطار العاصمة اللبناني في العام 1983.
إعادة إغلاق المضيق وتجاذبات داخلية
في النهاية، أعادت إيران فتح مضيق هرمز، لكنها ما لبثت أن أغلقته. تستطيع إغلاقه بالفعل، أم لا تستطيع ذلك، المهم أن التصرف الإيراني يعكس إلى حد كبير وجود تجاذبات داخلية ناجمة عن عوامل عدة. لكن الأهم من ذلك كله أن مضيق هرمز، مثله مثل الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج العربي، يمثل استمراراً لاتقان سياسة الابتزاز التي اتبعتها «الجمهورية الإسلامية» منذ اليوم الأول لقيامها.
في مقدم العوامل التي تشير إلى التجاذبات الداخلية، الانقلاب الذي نفذه «الحرس الثوري» يوم اغتيال «المرشد» علي خامنئي في 28 فبراير الماضي. في هذا السياق، يبدو قرار إعادة إغلاق المضيق، مع ما يعنيه ذلك من رغبة في التصعيد، بمثابة تأكيد لرفض «الجمهورية الإسلامية»، ممثلة بـ«الحرس الثوري»، الاعتراف بهزيمتها في الحرب الأخيرة. كشفت هذه الحرب عجز النظام القائم عن تطوير نفسه والتكيف مع المعطيات الإقليمية المستجدة من جهة، وعن سطوة المتطرفين على القرار الإيراني من جهة أخرى.
جذور سياسة الابتزاز الإيرانية
ليس اللجوء إلى استخدام ورقة هرمز سوى استمرار لسياسة الابتزاز التي مارسها النظام القائم في طهران منذ قيامه في العام 1979. رفع النظام الذي أسسه آية الله الخميني شعار «تصدير الثورة». ركز في البداية على العراق، أخذه الشعار إلى حرب مع العراق استمرت بين 1980 و1988. لكن ما لا بد من ملاحظته أنه سبقت الحرب العراقية – الإيرانية عملية تأسيس لسياسة الابتزاز. جرى التأسيس لهذه السياسة عندما احتجز «طلاب جيش الإمام» دبلوماسيي السفارة الأميركية في طهران بطريقة مذلة من منطلق أن السفارة «وكر للجواسيس».
استمر احتجاز الدبلوماسيين الأميركيين 444 يوماً. كان ذلك النجاح الأول لسياسة الابتزاز التي مارستها «الجمهورية الإسلامية» ببراعة. اتسمت فترة احتجاز الدبلوماسيين بميوعة في رد الفعل لدى إدارة جيمي كارتر، التي نفذت محاولة فاشلة لإنقاذ المحتجزين، وهي محاولة غير مدروسة انتهت بكارثة تحطم طائرة هليكوبتر في صحراء طبس الإيرانية. كان مفترضاً أن تحط في طبس قوات أميركية جاءت لإنقاذ دبلوماسيي السفارة، لكن عواصف رملية حالت دون ذلك. بعد تلك المحاولة بدا أن إدارة كارتر استسلمت لقدرها الإيراني...
استمرار الابتزاز عبر الأدوات الإقليمية
نجحت سياسة الابتزاز التي لم تتخل «الجمهورية الإسلامية» عنها يوماً. مارست هذه السياسة مباشرة وعبر أدواتها. على سبيل المثال وليس الحصر، نفذت «حماس» عملياتها الانتحارية بدعم إيراني. كل ما قام به «حزب الله» في لبنان، بما في ذلك اغتيال رفيق الحريري وعدد كبير من الشخصيات التي تمسكت بالسيادة، كان بدعم من إيران. شمل ذلك في طبيعة الحال اجتياح بيروت والجبل في مايو 2008 تمهيداً لوضع اليد على البلد. حصل ذلك بالفعل عندما فرضت إيران، الجنرال ميشال عون، رئيساً للجمهورية في 31 أكتوبر 2016، وذلك بصفة كون ميشال عون مرشح «حزب الله» للرئاسة.
تغير كل شيء إلا سياسة الابتزاز
تغير كل شيء في المنطقة ولم تتغير سياسة الابتزاز الإيرانية. انتقلت الحروب التي افتعلتها «الجمهورية الإسلامية» في المنطقة، على هامش حرب غزة، إلى الداخل الإيراني. لكن «الحرس الثوري» لم يجد ما يرد به على الولايات المتحدة وإسرائيل غير سياسة الابتزاز. كل ما استطاع عمله «الحرس الثوري» هو تطوير سياسة الابتزاز التي يمكن اعتبارها السياسة الرسمية لـ«الجمهورية الإسلامية».
دفع لبنان غالياً ثمن سياسة الابتزاز الإيرانية. فهم لبنان جيداً أنه آن أوان التخلص من الهيمنة الإيرانية. ليست الكلمة التي وجهها الرئيس جوزف عون إلى اللبنانيين حديثاً سوى تعبير عن هذه الرغبة اللبنانية. ليس أمام لبنان سوى التفاوض مع إسرائيل من أجل التخلص من الاحتلال الإسرائيلي.
إلى أين ستأخذ سياسة الابتزاز إيران؟
يبقى السؤال في نهاية المطاف إلى أين ستأخذ سياسة الابتزاز إيران؟ الجواب أنها ستأخذها إلى مزيد من الخراب. ما بدأ بسياسة الابتزاز انتهى بحرب مدمرة لا خروج منها إلا عبر الاعتراف بالواقع. يقول الواقع إنه ليس أمام إيران سوى العودة إلى دولة طبيعية تعيش بأمان مع جيرانها بعيداً عن الرغبة في الهيمنة وعن الاستثمار في إثارة الغرائز. لا سبيل إلى ذلك غير التخلي عن سياسة الابتزاز. هل في إمكان النظام الإيراني تغيير جلده... أم أن سياسة الابتزاز، التي برع فيها، جزء لا يتجزأ من تكوين النظام وطبيعته، بل إن هذا النظام سيموت يوم لا يعود يمارس الابتزاز؟
من يزرع الريح يحصد العاصفة. لا يمكن لبلد، أي بلد، العيش على سياسة الابتزاز. على كل بلد الانصراف إلى معالجة أوضاعه الداخلية بدل الهرب منها إلى خارج حدوده. لا بد من نهاية لهذا الهروب من الداخل إلى الخارج، مهما كان هناك اتقان لسياسة الابتزاز.



