تدير طهران سياستها الراهنة في المنطقة بين حدين متناقضين تماماً؛ صمت ميداني يقابله ضجيج دبلوماسي. فكلما تصاعدت الهجمات والتهديدات الإسرائيلية ضد العاصمة بيروت أو الضاحية الجنوبية، انكفأ الفعل العسكري الإيراني خلف حسابات التراجع والحذر، بينما اندفعت الماكينة الدبلوماسية لتصنع ضجيجاً واسعاً عبر الإعلان عن تعليق المحادثات غير المباشرة ووقف تبادل الرسائل مع واشنطن، واشتراط لجم ضربات بيروت كشرط رئيسي للعودة إلى الطاولة. هذا التناقض يفضح سعياً حثيثاً تخوضه طهران لمصادرة الورقة اللبنانية مجدداً بعد أن كانت تمسك بكامل خيوط القرار.
كذبة وحدة الساحات مع غزة
إن هذه الصياغة البراغماتية لإدارة الأزمات هي امتداد وإعادة إنتاج لنمط ثابت جرى تظهيره بوضوح من خلال ذلك «الطلاق الإستراتيجي» غير المعلن الذي عزل الحسابات الإيرانية عن ملف قطاع غزة. لسنوات طويلة، قُدّم القطاع في الخطاب الأيديولوجي كحصن متقدم لردع الخصوم وحماية الداخل الإيراني، وبرز ذلك تحديداً في مايو 2021 عندما استخدمت طهران قدرات غزة الصاروخية كأداة ضغط وتذكير بنفوذها الإقليمي بالتزامن مع انطلاق الجولات الأولى لإعادة إحياء الاتفاق النووي في فيينا.
ولكن، حين حانت لحظة الحقيقة في أكتوبر 2023، وواجهت غزة حرباً تدميرية غير مسبوقة استهدفت وجودها الجغرافي والديمغرافي، انكفأت طهران سريعاً خلف حدود «حساباتها الخاصة». وفي نوفمبر 2023، وخلال اللقاء الذي جمع القيادة الإيرانية بوفد الفصائل في طهران، أبلغت القيادة الإيرانية الجانب الفلسطيني صراحة بأنها لن تدخل الحرب مباشرة بالنيابة عن أحد لعدم إبلاغها بالتوقيت، مفضلة الانتقال إلى صمت فعلي تُرجم ميدانياً بإسناد منضبط ومحسوب بدقة لا يتجاوز حدود الحفاظ على قواعد الاشتباك التقليدية لحماية مصالحها الحيوية. هذا الانكفاء التاريخي أسس للمشهد الراهن الذي تتداخل فيه الحسابات الإقليمية المعقدة مع عودة إدارة ترمب إلى البيت الأبيض، حيث تُترك غزة اليوم تواجه مصيرها بمفردها وسط الركام، في حدث كشف الحدود الحقيقية لشعار «وحدة الساحات».
اختبار اتفاق واشنطن
اليوم، يسير المشهد اللبناني على السكة ذاتها وبذات الآليات الممنهجة، وهو ما يضع بنود الاتفاق الأخير بين لبنان وإسرائيل علامات استفهام كبرى حوله. فالتسوية أو الاتفاق المطروح، والذي تضمّن بنداً يتعلق بمنح تل أبيب «حرية الحركة العسكرية» لمواجهة الخروقات، تُقرأ كمؤشر أولي على حدود التراجع التي قد تواجهها الساحات، حيث يبدو السلوك الدبلوماسي لطهران مستعداً لتمرير ترتيبات ميدانية قاسية بانتظار نضوج ظروف التفاوض الجدي مع واشنطن. هذا الواقع يضع الدولة اللبنانية ومؤسساتها في موقع حرج فوق طاولات التمهيد السياسي، بانتظار اتضاح التوقيت الذي تتبلور فيه التسويات الكبرى ومصير المكتسبات الإقليمية للنظام الإيراني.
ورغم أن هذا الاتفاق لم يدخل بعد طور الاختبار الحقيقي لقياس مدى صموده على الأرض، ولم تجلس طهران بعد على طاولة مفاوضات مباشرة وحاسمة مع إدارة ترمب، إلا أن سياق تمريره يعيد طرح السؤال المحوري: هل يواجه حلفاء إيران في لبنان تكرار سيناريو الانكفاء ذاته الذي شهدته غزة عندما تحين لحظة التفاهمات الإستراتيجية الكبرى؟
إن المعطيات هنا لا تنبع من رغبة في استباق الأحداث، بل من طبيعة البنية البراغماتية للسياسة الإيرانية التي تضع أمن نظامها دائماً كأولوية تتقدم على حسابات الأطراف. وتكمن الخطورة الصامتة في الفجوة العمومية بين الفصائل التي بنت خياراتها العقائدية على فرضية الشراكة الوجودية والمصير المشترك، وبين نظام في طهران يدير أزماته بعقلية «الوظيفة والتوظيف»، حيث بات واضحاً أن التضحيات تُعامل في لحظات المقايضة الكبرى كمجرد أوراق تفاوضية لرفع العقوبات وحماية الملف النووي.
سقوط وهم «الشراكة الوجودية»
تأسيساً على هذا الترابط، تتجاوز المقارنة بين غزة ولبنان حدود التشابه الظرفي لتصل إلى عمق العقيدة السياسية لطهران، فإذا كانت التجربة الفلسطينية قد رسمت الحدود الفعلية للالتزام الإيراني تجاه الحلفاء، فإن الديناميكية اللبنانية الراهنة وضعت هذا الالتزام تحت مجهر الاختبار الفعلي. والمفارقة هنا تجسدت في إعلان حزب الله رفضه للاتفاق المطروح. هذا الرفض، وإن بدا مواجهة ميدانية، لا يحجب حقيقة تحوّل الحزب إلى مجرد أداة وظيفية لامتصاص الصدمات وحماية رأس النظام الإيراني، بينما يقبع لبنان، كدولة وشعب يتطلعان إلى الخلاص من هذا النفوذ وصراعاته العبثية، تحت وطأة الانكشاف والدمار، في وقتٍ تواصل فيه طهران استخدام الساحة اللبنانية كإحدى أوراق الضغط لتحسين شروط تموضعها في بازاراتها الدولية القادمة مع واشنطن.



